همس المشاعر

فلاش باك

(( قصة قصيرة ))

بقلم / سامح عبد الهادي

حين رأى أن القمر يتوسط السماء فى ليلة بدر ساحرة ..
توقف لحظات فى منتصف الطريق الذى تعود على السير فيه حينما يشعر بالضيق والملل من صعوبة حياته وروتينيتها .
توقف ليتذكر ( ليلى ) حبيبته التى كانت تعشق منظر البدر .. والتى تنتظر البدر فى كل شهر .. لتستمتع بجمال الطبيعة وتستشعر صنعة الخالق .
ودون أن يفكر قرر أن يذهب إلى هناك …. !
—–
بعد كوبرى ستانلى فى الإسكندرية الساحرة بقليل .. يوجد ممشى على البحر ينتهى بصخور تتخللها المياه .. مكان مميز جدا ، ولحسن الحظ يقع هذا المكان فى واجهة منزل ( ليلى ) وعائلتها .. والتى كانت تعشق الجلوس على هذه الصخور لتشاهد القمر بدرا .. وتسافر معه فى رحلته بين الغيوم الصيفية الخفيفة ونجوم السماء .. ولا تتركه حتى تودعه.
وبينما كانت ليلى تحتسى القهوة فى نفس المكان فى هذه الليلة .. إذ سمعت خطوات تقترب ..!
ابتسمت بهدوء دون أن تلتفت لصاحب الخطوات وقالت : لماذا تأخرت ؟
فقال متعجبا من ردة فعلها : وكأنك تنتظرينى ؟
أجابت بنفس الثبات : هذه الأمواج لا تكذب أبدا .. ثم نظرت إليه وقالت : وقد أخبرتنى بمجيئك .
قال متعجبا : ولكنى لم أتوقع وجودك هنا .. فبعد سفرك لليونان مع زوجك انقطعت عنى أخبارك تماما .. وفقدت الأمل فى تجدد لقائى بك .
لم تتأثر رشاقتها .. لاحظ هو ذلك من طريقتها حينما قامت ووقفت أمامه لتقول له : لن أسألك عن سبب مجيئك إلى هنا الآن .. فأنا بعادتى لا أهتم بالتفاصيل .. المهم أنك جئت .. وها أنت تقف أمامى بالفعل .
إزداد تعجبه من ثقتها فقال مستفسرا : وكأنك استدعيتينى ..!
قالت بضحكة خفيفة : نعم .. هو كذلك .
– لا أفهم .
– أنت أبدا لم تفهم .
– إذن لنتجاوز هذه التفاصيل حتى لا نخسر هذا الوقت .. وأخبرينى عنك .
– لم يستمر زواجى أكثر من ثلاث أعوام .. ولم ننجب أطفال .
– لقد سألت عنك .. لا أقصد تفاصيل زواجك .
– هذه هى الأخبار التى يروق لك سماعها .
بدأت أقدامهما تتحرك فوق هذه الصخور .. ومع الخطوات يستمر حديثهما …
قال متأثرا : لأكثر من ثلاث سنوات كنت أسيرا لمشاعر اليأس والخسارة .
– كنت أعرف أنك تتقبل الهزيمة بسهولة .. أنت تحب رؤية نفسك دائما كضحية .
– لقد حافظت على حبك فى قلبى .. ولم أسمح لأى امرأة أخرى أن تحل محلك .. أو أن أبادلها شعورا بالحب .
– ليس الأمر كذلك .. فى الحقيقة أنت لم تجد المرأة التى تحبك .
– لم تتغيرى .. تحليلك الصارم لكل شئ مازال يسيطر على رؤيتك للأمور .
– أخبرنى عنك .. ماذا فعلت فى هذه السنوات ؟
– لا شئ .. سوى أننى تمت ترقيتى فى الشركة التى أعمل بها فازداد مرتبى بشكل جيد .. استطعت أن اشترى بيتا خاص بى وسيارة متوسطة الحال .
– لطالما بحثت عن الطمح فى حياتك .. ولم أجده.
– كان اقصى طموحى هو أن نتزوج .. ولكن والدك سامحه الله هدم كل أحلامى بإستبداده وتسلطه .
– أى إنسان عاقل لم يكن ليرضى بك زوجا لابنته الوحيده .. لقد كنت صفر اليدين .. موظفا بسيطا تتقاضى راتب لا يصلح لمعيشة فئران فى جحر .. والأدهى من ذلك أنك لم تكن تنوى فعل أى شئ آخر .. ولم تكن تملك منزلا نعيش فيه .. وكنت تريد أن يفعل والدى كل شئ .. فهل من المنطقى أن تعطى ابنتك لإنسان لا يحركه أى هدف ولا يملك سوى مشاعر رقيقة لفتاة جميلة تستعد للتضحية بكل شئ من اجله .
لقد كنت ضد والدى فى البداية .. وكدت أن أنتحر وأضحى بحياتى لتمسكى بك .. ولكنى فيما بعد علمت أننى كم كنت ساذجة لأفعل هذا .. فالأمر بعد الزواج مختلف تماما يا صديقى .
لقد توفى والدى .. والآن أعيش وحدى فى هذا المنزل الكبير .. ولا يملك أحد أى تدخل فى قرارى .. ها أنا ذا حرة تماما كما كنا نتمنى من قبل .
.
– حسنا .. أنا أعلم أن كل شئ يأتى فى الوقت المناسب له ..
قالها ثم رسم ابتسامة عريضة تنم عن الإنتصار والطمأنينة
ثم أردف قائلا : الآن لا يوجد أى مانع من زواجنا .. سنعيش فى هذا المنزل الكبير وسأبيع سيارتى المتهالكة فسيارتك رائعة .. وسننحى تكاليف الحياة جانبا فبالتأكيد يحتوى منزلك على كل شئ .
قالت متسائلة : فماذا عن مصاريف البيت والحياة .. ماذا ستفعل ؟
قال : أنت تتحدثين عن مصاريف البيت والحياة ؟ .. لم تفكرى فى هذا من قبل إطلاقا ..!!
– لم أفكر بالفعل .. وهذا خطأ .. تعلمت أن أضيف هذا البند إلى القائمة يا صيقى .
– حسنا .. أنت قد ورثتى ثروة أباك .. ويمكننا أن نبدأ بعمل مشروع رائع نديره سويا … وسوف …….!
لماذا تتأملين فى ملامحى هكذا ؟
قالت : أنت لم تتعلم شيئا أبدا .. لم تتغير أبدا … لقد أضعتنى من قبل بهذه السذاجه والسلبية
– نظر إليها نظرة حائرة بين التساؤل والتعجب
فأردفت : أنت لم تقل كلمة واحده عنك .. لم تقرر أن تفعل شئ .. أى شئ .
بنيت كل شئ على ثروة والدى وما ورثته … حتى أنك بعت سيارتك القديمة بينما نتحدث .
أنت الآن فى سن الأربعين .. ولم تفعل أى شئ .. ولا تريد أن تفعل .. تريد أن يأتى كل شئ بين يديك .. أنا لا أمانع من المشاركة المادية بينى وبين زوجى .. لكنى لم أفكر أبدا أننى سأعطى نفسى هبة لشخص لا يقدر قيمة شئ .
إنك لم تتحدث عنى كما تحدثت عن ثروتى .. لم أر ابتسامتك بلقائى .. ولكنى رأيت ابتسامتك بخبر إرثى .
مازالت معاييرك فى الحياة مبنية على أساس الفائدة الشخصية والمنفعه العائدة إليك .
أما أنا .. فلقد تعلمت كيف أختار ..
ولقد كنت متمسكة بك جدا فى الماضى …
ورغم أن كل شئ لم يتغير .. إلا بعض أفكارى .. وتجارب مررت بها
فأنا الآن .. أرفض … بمحض اختيارى .

الوسوم

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فلاش باك”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق