مقالات

فلنحاربهم بالمزيد

كتبت / فاطمة حسن 


لكل شعب سمات تميزه عن غيره وتتنوع ما بين الجيد والسئ , ولكن تظل سمة “التناقض” متفردةً في موقعها من السوء , وما أن توافرت في شعب إلا وجلبت معها مشكلات العالم أجمع.
تلك السمة تتسم بها مجتمعاتنا الشرقية عامةً وتتوافر بقوة في مجتمعنا المصري خاصةً , حيث تجد الشعب يستنكر فعلًا ما .. وما أن يوضع في موقف وجد أنه لا حرج في القيام بذلك الفعل متعللًا بأن “للضرورة أحكام “!.

من المشكلات التي يزداد فيها تناقض الشعوب “غلاء الأسعار ” , ما أن يزداد سعر سعلة ما تجد هجومًا من المجتمع , وتبدأ وسائل الإعلام في تسليط الضوء على استنكار الشعب للغلاء الذي يتعرض له مقارنةً بالأجور المتدنية التي يحصل عليها , وتلك المشاهد تصيب الفرد بالإحباط والاستياء من الفشل في مواجهة ذلك الغلاء وتوافر قوانين رادعة للتجار الجشعين الذين يستغلون حاجة الأشخاص لسلعة ما فيبالغون في أسعارها لعلمهم بمدى حاجتهم إليها وأنهم مضطرون لشرائها بأي سعر كان, ولكن أعلم جيدًا عزيزي القارئ أنه يتردد في ذهنك الآن هذا السؤال ” وأين التناقض في ذلك ؟ ” , التناقض هنا يكمن في رد فعل الأشخاص على هذا الغلاء , فبالرغم من تكرار الشكوى من الغلاء إلا أن عملية الشراء تزداد لا تقل ! , فما أن ذهبت إلى أي مول تجاري أو أي متجر عادي تجد الطوابير لا نهاية لها على سلع كمالية يمكن أن يكون الإنسان في غنى عنها , فتصيبك الحيرة كيف يشتكي الناس من الغلاء وتدني الأجور ليلًا ونهارًا ثم تجدهم يتزاحمون في شراء تلك السلع التي ليست بالضرورية بالنسبة إليهم ؟

0,,6587114_303,00

 وبدون أن تصيبك الحيرة الإجابة ياعزيزي أنها “ثقافة” لدى شعبنا , فالناس هنا تتنافس وتقيم المقارنات والمسابقات بين بعضها البعض على من يشتري أكثر , وليس مهمًا أن هناك أسرًا دخلها ليس بالكبير وتقوم باستلاف الأموال لتنفقها على الشراء حتى ولم لن تكن في حاجةً إلى ذلك , وتفضل ذلك على أن تكن من الفئة التي تشتري القليل ! , أي أن القصة كلها تكمن في كونها نوعًا من التباهي بين الناس ,وشعور الفرد بأنه كلما زادت مشترياته كلما انتمى إلى طبقات المجتمع العليا , دون أن يرجف له جفنًا أنه يحمل نفسه فوق طاقتها ويحمل من الأعباء ما لا يناسبه , ولسان حاله يقول “كل ذلك لا يهم طالما صنفت من الصفوة” , ويبلغ ذلك التناقض ذروته في شهر رمضان خاصةً , فبالرغم من أنه شهر الصيام والتعبد والشعور بالفقراء والمحتاجين , إلا أننا نجد الناس تتزاحم على شراء السلع مهما غالى التجار في أسعارها كما لو كانت تلك المرة هي أخر مرة سوف يشترون فيها أو كما لو كانت السلع سوف تختفي من البلاد فجأةً , وليس بالضرورة من يفعل ذلك هو ميسور الحال فقط , فهناك العديد من الأشخاص الذين يحصلون على مرتبات قليلة ولكنهم يعدون لشهر رمضان مبكرًا ويقومون باستلاف الأموال وعمل ما يسمى ب “الجمعيات” استعدادًا لشهر رمضان ومستلزماته “في نظرهم” .

بعض الأبحاث أشارت إلى أن المبالغة في الشراء”لدى النساء خاصةً” قد تعود لاضطرابات نفسية أو نتيجة مشكلات زوجية , فتقوم الزوجة بتعويض ذلك في شراء ما يقابلها حتى ولو لم تكن في حاجة إليه اعتقادًا منها أنها تفرغ تلك الطاقة السلبية المسيطرة عليها و الناتجة عن المشكلة , وذلك نتيجة قراءتها بأن التسوق يخفف من حدة الضغط النفسي .

لا توجد مشكلة لا حل لها , وطالما المشكلة تكمن في سلوكيات الفرد إذًا فحلها من أسهل ما يكون , ويتمثل الحل فقط في مراجعة الفرد لذاته ومحاولاته المستمرة في تقويم ذلك السلوك السئ الذي لا يضر أحدًا سوى صاحبه , وأن يسلط الإعلام الضوء لا على المشكلة فقط بل كيفية حلها , والعمل على اقتلاع ثقافة الشراء الخاطئة في مجتمعنا من جذورها , وما أن اتبع الناس سياسة شراء ما يحتاجون إليه فقط , وقاطعوا التجار الذين يرفعون من أسعار السلع لاستغلالهم فستعود السلع إلى أسعارها الطبيعية لأنه ليس في مصلحة التاجر أن يحتفظ ببضاعته فهو يقتات من ثمنها في المقابل .

لا يمكننا أن نزعم أنه تلك الثقافة الخاطئة والممتلئة بالأعباء يتسم بها جميع أطياف الشعب المصري لأنه هناك أسرًا معدمةً لا تستطيع توفير حتى أدنى حاجاتها الأساسية وقوتها اليومي , ولكننا نسلط الضوء على تلك الثقافة لعل وعسى يراجع كلًا منا نفسه وينتبه إلى مصروفاته وبدلًا من أن نتنافس على من يشتري أكثر , نتكاتف لنعاون تلك الطبقة المعدمة ونحاول القضاء على ذلك التفاوت الرهيب في طبقات المجتمع .

الوسوم

تيسير علي

Graphic Designer Alexandria, Egypt t.aly@fekra.media

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock