اعترافات “فاسدة” ..!!

113 views مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 8 يناير 2017 - 1:03 صباحًا
اعترافات “فاسدة” ..!!

بقلم جاسم المطوع

بادرني أحدهم بسؤالٍ عن الفساد، هل الفساد صفة أم عادة مكتسبة ..!!؟

وللحقيقة أمعنتُ كثيراً في التفكير قبل الإجابةِ على التساؤل، وبالنظر في أحوالنا وما يحدث في مجتمعاتنا تحديداً، أعتقد أن الفساد لا ينحصر فقط في محيط أصحاب المناصب العليا والكبيرة فقط، فمعظم النار من مستصغر الشرر، والتفاحة التالفة كفيلة بإفساد صندوق التفاح بأكمله، إذا لم يتم إبعادها فوراً عن بقيته !!
وشخصياً لا أدري لو قُدّر لي يوماً أن “أتسلم” منصباً من فئة “معالي” فهل من الممكن أن أكون “فاسداً” أمام إغراءات المنصب، أم من الممكن لتربيتي وقيمي وأخلاقي أن تردعني، وبالتالي مقاومة هذا الإغواء إذا جاز التعبير !!؟

وحينها هل من الممكن أن يتجرأ زميلي “معالي رئيس هيئة مكافحة الفساد” على وصمي بالمفسد، أم أننا جميعاً سنكون مبحرين في نفس القارب !!؟

وفي استعراضٍ سريعٍ للماضي، كنت مجرد موظف عادي لا يملك آيَ فرصةٍ “للفساد” بمعناه المتعارف عليه، فلم تكن ضمن صلاحياتي توقيع العقود الكبيرة بالملايين، ولا الإشراف على المناقصات الكبيرة، أو التعاقد مع الخبراء والمدربين الأجانب، وبالتالي مجال الفساد أمامي كان خالياً إلا من بعض الأشياء البسيطة، مثل استغلال “ماكينة التصوير” لتصوير بعض المواضيع الخاصة بي، أو تصوير كتاب الطهي لزوجتي “الفاسدة”، التي لا تحترم حقوق مؤلفة الكتاب “الفاسدة”، والتي بدورها سرقت أغلب أسرار الطبخ من منتدى “حواء”، كما أنني أحياناً أقوم بتصوير نماذج الاختبارات لأبنائي “المفسدين”، الذين استطاعوا إقناع مدرسهم “الفاسد”، بتزويدهم بمجموعة من الأسئلة التي لن يخرج عنها الاختبار، تحت نظر مدير ومالك المدرسة “المفسدَيْن” اللذين لا يهمهما سوى سمعة إدارة المدرسة ومعدلات نجاح الطلاب العالية لزيادة أعداد الطلاب سنوياً وبالتالي تحقيق هامش ربحي ربما من وراء العملية التعليمية.

وقد أكون استغليت هاتف العمل لإجراء بعض المكالمات إلى جوال صديق أو لإنجاز معاملة، أو الأتصال بعامل الاستراحة “الفاسد” والمقيم بصورة غير نظامية، لكي يجهـز لي رأس المعسـل خلال وقت الدوام، إضافةً إلى ممارستي بعض الأكاذيب والحيل مع المراجعين للتستر على مديري “الفاسد” وإخبارهم أنه في اجتماع، بينما هو خارج المكتب في الطريق إلى المستوصف “الفاسد”، لمقابلة الطبيب “الفاسد”، لمنح الزوجة المعلمة “الفاسدة”، تقريراً طبياً مدفوع الثمن يُبرر ويُغطي غيابها مدة أسبوع قضته مع سعادة المدير في دبي، تاركين الأبناء مع الشغالة “الفاسدة” الهاربة من كفيلها الأصلي !!

في الحقيقة لا أدري إن كنت بوصفي السابق هدفاً سهلاً لهيئة مكافحة الفساد، أم أن “فسادي” من النوع المتفشي والذي يمارسه الجميع وبدون استثناء، وبالتالي لا يُسمى فسادًا بالمعنى المتعارف عليه، لدرجة أن موظفي هيئة مكافحة الفساد أنفسهم يمارسونه وبشكل يومي، ولا ندري من يملك الحق بمحاسبتهم هم في مثل هذه الحالة !!؟

وبناءً على ذلك، هل يجوز لنا في هذه الحالات، أن نسمي “سُرَّاق الملايين” بالمفسدين، أم أننا بديهياً لن “نتورع” عن القيام بذلك لو كنا مكانهم !!؟

فمن المؤكد أن من لا تردعه نفسه عن سَرِقة ورقة تصوير فلن يتردد في سرقة الملايين، ومن يرضى بإيواء عامل هارب، فمن الممكن أن يتستر على مائة تاجر أجنبي يمارسون التجارة باسمه ليستفيدوا ويستفيد، ومن يشتري الأسئلة فلن يتردد في شراء ذمة أكبر مقاول، ومن يسعى للحصول على تقريرٍ طبيٍ مزوَّر، لن يتردد في إجازة تقارير استلام المشاريع الغير منفذة أصلاً.

ﻭبرآيي المتواضع، أن الفاسد فاسد سواءً سرق الملايين، أو أجاز لنفسه استغلال أدوات العمل لإنجاز مهامه الشخصية، أو تلاعب بإوقات الدوام، الفرق يكمن في أن “ذاك” وجد مالاً يسرقه، و”هذا” سرق ما يظنه أقل ضرراً ولكنه بلا شك أكثر تأثيراً، ليبقى السؤال السابق قائماً، هل الفساد خصلة أم عادة مكتسبة، وهل في وجود هيئة لمكافحة الفساد دلالة على حرصنا على مكافحته، أم أنه اعتراف بأن الفساد قد انتشر وعلى مستوى كبير، لدرجةٍ يتوجب معها إنشاء هيئة لمكافحته، أو لمحاولة إخفائه عن الأعين على أقل تقدير، أو ربما تنبيه بعض المفسدين الغير مبالين بسترِ أنفسهم.

وفي كلتا الحالتين فإن الفساد لا يمكن حصره في أصحاب المناصب العليا وحسب، فالفساد بمعناه الحرفي قد يكون صفة شخصية مُعيبة إن لم يكن ميَّزة “في نظر البعض” تُميز فلان عن فلان !!

وهو بمثابة “الڤايروس” المتواجد في البيئة الصالحة لتكاثره، وهو لا محالة سينتشر في البيئة التي تفتقر للقوانين الرقابية التي من المفروض أن تحد من أنتشاره، أو ربما لا يتوافر فيها آي نوع من أدوات الردع الذاتي الديني أو الأخلاقي أو السلوكي أو التربوي، وطالما أن الجميع من حولنا يمارسونه بما فيهم نحن، فالجميع من هذا المنطلق وبلا استثناء قد يكونون فاسدين !!

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر