المتحول

237 views مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 13 يناير 2017 - 11:40 مساءً
المتحول

من سلسلة أنا والسينما للمخرج أحمد محفوظ

عندما بدأنا الدراسة في معهد السينما، كان هناك أحد المواد المهمة جداً واللي أنا شخصياً كنت بهتم بيها وهي مادة ورشة الإخراج التليفزيوني وحرفياته. كان الأستاذ محمد فاضل المخرج التليفزيوني المعروف هو الذي يشرحها لنا.

مع نهاية السنة الثانية، نجح محمد فاضل في أن يكمل أحد مشروعاته والذي كان بالنسبة له بمثابة الحلم وهو فيلم ناصر 56، وفعلاً كتبه محفوظ عبد الرحمن الكاتب الكبير المعروف، وبدأ محمد فاضل في العمل فيه فترة كبيرة جداً مع قطاع الإنتاج الحكومي الذي كان في هذا الوقت يعمل في الإنتاج السينمائي أيضاً، كان تابعاً للتلفزيون ولكن كان يمتلك أيضاً وحدة إنتاج سنيمائي ضخمة جداُ يشرف عليها ممدوح الليثي الله يرحمه حسب ما أذكر، أحد كبار المنتجين المعروفين في مصر.

عندما بدأ محمد فاضل التحضير لفيلم ناصر 56، كنا على مشارف نهاية السنة الثانية في المعهد وكنت من المهتمين والمجتهدين جداً معه في المادة التي يدرسها لنا، سواء على مستوى ورشة الإخراج التلفزيوني أو حرفيات الإخراج التليفزيوني أو حتى الأستوديو التلفزيوني. وبنهاية السنة طلبت منه أن أتدرب معه وفعلاً وافق الأستاذ محمد فاضل، كنت أنا واثنين من زملائي، كان نور سلام رحمة الله عليه، و الزميلة نشوى محسن زايد كانت هي الأخرى تتدرب معنا على فترات متقطعة، وأنا كنت أتدرب محاولاً أن أكون متواجد دائماً في الأستوديو ومتواجد أيضاً في التصوير الخارجي.

بدأ التصوير، وكنت كالعادة مجرد متفرج، ولكن كنت دائماً ما أحاول أن أصنع شيئاً مهماً ومختلفاً داخل الفيلم، كمساعدة للـCrew ، تعرفت عليهم كلهم بالطبع وكنت دائماً في الصباح ومع مجئ الأستاذ محمد فاضل .. أذهب إليه وآخذ منه نسخة السيناريو اللي بيعمل عليها الديكوباج (تقطيع المشاهد إلى لقطات)، وأقوم بعد ذلك بمتابعتها مع مساعد المخرج الأول أحمد البدري حينها ومعنا 3 آخرين من الزملاء، كنت أمسك السيناريو وأتابع معهم التقطيعات المختلفة في كل مشهد حتي يستطيعوا أن يتابعوا الـ Continuity أو تواصل الحركة وتواصل المشاهد وتجمييع الزوايا وهكذا.

من المشاهد واللقطات التي لا أنساها في حياتي وأحب أن أسردها لحضراتكم، في أوائل أيام التصوير كنا في انتظار أحمد زكي داخل أستوديو النحاس في الهرم، صادف أنني كنت واقفاً في مدخل الأستوديو، والتي سوف يدخل منها أحمد زكي في طريقه إلى غرفته التي تنتظره فيها الماكييرة الأجنبية حتى تقوم بأعمال المكياج المعين المناسب للشخصية. فوجئت بدخول شخص علينا يرتدي قميص كاروهات واسع، وبنطلون جينز، وشعره غير مرتب، ويبدو على عينيه أنه لسه صاحي من النوم، ويسير بجزمة بدون رباط بكعب يشبه الشبشب، أنا قلت مين الشخص اللي داخل دا، وفوجئت به يقول: صباح الخير يا جماعة أنه أحمد زكي، ودخل بعدها لغرفة الملابس واستمر بالداخل لـ3 ساعات، كنت مندهشاً جداً من طول المدة ومش متخيل إيه اللي ممكن يتعمل في 3 ساعات.

خرج أحمد زكي بعد الـ 3 ساعات، وكنت أتحاشاه صراحةً لأني كنت أخاف منه في حالة الاندماج. وفعلاً خرج أحمد زكي من المكياج وقد تحول تماماً لرجل طويل عريض يرتدي الشنب مع ملابس شخصية جمال عبد الناصر. طبعا أنا تعجبت من قدرة أحمد زكي على هذا التحول، قدرته على أنه المكيج لم يكن فقط Physical أو ظاهري ولكنه كان شاملاً لكل أبعاد الشخصية، وكان يذهب داخل الشخصية من أول لحظات خروجه من غرفة الملابس، وربما حتى وهو نائم في بيته كان يتقمص شخصية جمال عبد الناصر.

حتى أنني أذكر أن Charge الكاميرا انتهت في احدى اللقطات ونادى مساعد الكاميرا، وكان في هذا الوقت على ما أذكر عم عيسى بسطاوي الرجل المحترم الذي كنت أحبه جداً، وقال Charge .. والتي كانت تعنى أنه يجب تغيير الموبينة أو خام الفيلم. ويحينها قال بهذا اللفظ بالظبط .. “يا عيسي”، فقاله نعم يا ريس، “الريس يتحطله في كل شوت charge جديد”، فقاله تمام يا ريّس.

هذا كان أحمد زكي الذي كنا نراه داخل التصوير وخارجه فعلاً يتحول إلى جمال عبد الناصر في كلامه مع الناس، ومما زاد الموضوع تأكيداً عندي هو أنني حضرت مشهد اتخاذ قرار التأميم، المشهد الذي تأتيه مكالمة من السيدة التي تطلب بالخطأ وتقول أنها تريد ابنها وأنها وصلت محطة مصر ولم تجد ابنها في انتظارها وبعد 3 مرات بيقولها حاضر أنا هساعدك، فبتقوله هو مين معايا فقالها أنا جمال عبد الناصر، فقالتله ربنا يوفقك يابني.

وأذكر حينها أنه دار نقاش بين محمد فاضل وأحمد زكي عن طريقة تصوير مشهد اتخاذ القرار، فقال المخرج أنه سيصورهاclose up ، فقال له أحمد زكي: خلاص أنا هاخد القرار بعيني، وهذا ما شاهدناه كلنا في تتابع الفيلم.

آخر لقطة أذكرها مع أحمد ذكي كانت لقطة شخصية، في الاستراحة كان جالساً المساعدين للدردشة ولكنه أيضاً كان يتكلم متقمصا شخصية جمال عبد الناصر، وكنت واقفاً ومستحي أن أدخل في الحوار وأجلس معهم ولكنني فؤجت به موجهاً كلامه لي قائلاً: ما تقعد يا إبني واقف ليه؟ .. فقلت له حاضر يا ريّس مش عايز أزعج حضرتك.

أن ترى بعيني رأسك ممثل بحجم أحمد زكي يتقمص الشخصية ويندمج داخلها بهذا الشكل لكل هذا الوقت تعرف أنك أمام ممثل يعطي للمهنة والتفاصيل حقهم بكل احترام . هذا هو المتحول لشخصيات وعوالم مختلفة.

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر