الثقافة والأدب و الفن

فى كتابه الجديد أيمن السيسى يخترق أوكار القراصنة فى الصومال ويكشف المؤمرات الأمريكية لتفتيت الوطن العربى

لم تكن مغامرة اقتحام أوكار قراصنة البحر واكتشاف الدعم الأمريكى للقراصنة الصوماليين إلا مجازفة بالعمر خاضها الزميل أيمن السيسى الصحفى بالأهرام، وكانت التحذيرات من مغبة الرحلة أقصى من التعرض للموت نفسه. ولكنه آثر أن يلج المغامرة ويخوض التجربة عابرا إلى “بوصاصو” مدينة القراصنة على متن سفينة مواشى ليعود بما يؤكد الهدف الأمريكى من تفتيت المنطقة وتقسيمها إلى دويلات فاشلة، وهو ما بدأ فى الصومال. وسجل أيمن السيسى هذه المغامرة المذهلة فى كتاب بعنوان “29 يوما فى الصومال” صدر قبل أسبوع عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، رصد فيه العلاقة بين المخابرات الأمريكية وقراصنة البحر الصوماليين، وكيف دعمتهم أمريكا لإبعاد أنظار العالم عما تفعله فى أقاليم الصومال المقسمة، وكيف أسست ميليشيا عسكرية من شباب صوماليين أغراه المال. وحدد أيمن السيسى مواقع هذه الميليشيا ونوعية تدريباتهم والرواتب التى يحصل عليها عناصرها وقادتها الذين دعمتهم أمريكا قبل أكثر من عشرين عاما، وساعدتهم لإسقاط الدولة الصومالية لمنع تكرار قدرة مصر على السيطرة على مضيق باب المندب كما حدث إبان حرب أكتوبر عام 1973. ورصد أيضا فى كتابه المثير “29 يوما فى الصومال” الحرب الضروس الذى يتعرض له الوجود العربى فى “بونت لاند” و “صومالى لاند”، ومحاولة منع ومحاصرة التعليم العربى وبعثة الأزهر فيهما، وسيطرة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية على الأوضاع عن طريق الهيمنة الإثيوبية، وارتباط ذلك بألاعيب إثيوبيا ومحاولاتها المستديمة لتعطيش مصر، وكيف شاركت أيضا فى دعم القراصنة بالسلاح والمعدات حتى أصبح القراصنة “مؤسسة” داخل الصومال استطاعت بأموال الفديات التى تحصل عليها لرد السفن المخطوفة السيطرة على البرلمان فى “بونت لاند” واختيار أحد أعضائه رئيسا للإقليم، واختراقها للأمن اليمنى حتى باتت عدد من مدن اليمن خصوصا “المكلا” و “عبد الكورى” و “سوقطرى” مرتعا للقراصنة. وكيف تتقاطع أعمال مخابرات عدة دول داخل “بونت لاند” واستخدام العاهرات وتجار السلاح و”القات” فى السيطرة عليهم. الكتاب مثير وجرئ وحافل بأسرار ومعلومات غريبة على القارئ العربى المتجاهل لهذه المنطقة من العالم. ويذكر أن بعض فصوله نشر فى جريدة “الأهرام” تحت عنوان “الأهرام تخترق أوكار القراصنة” فى عدة حلقات، حصل فيها أيمن السيسى على جائزة أحسن صحفى استقصائى عربى من “جائزة دبى للصحافة العربية” العام الماضى. والكتاب إضافة مهمة للمكتبة العربية لأنها من أدب المغامرات والرحلات فى آن معا، ويستحق القراءة. يكشف أيمن السيسى فى كتابه الممتع والمثير “29 يوما فى الصومال” كيف بدأت الحرب ضد مصر فى الصومال بداية من مقتل كمال صلاح الدين، سفير مصر بالأمم المتحدة، عام 1957 فى أحد ميادين مقديشيو وحتى تفكيك الصومال وفرض إسرائيل سيطرتها على مضيق باب المندب من خلال التغلغل الإثيوبى فى دولة “صومالى لاند” الإقليم الذى أعلن استقلاله فور سقوط دولة الصومال ونظام سياد برى عام 1990، وحتى نشأة حركة القرصنة البحرية فى بحر العرب والمحيط الهندى، ودعم أمريكا للقراصنة بمباركة أوروبية. فى مغامرة، أو بالأحرى مقامرة بالعمر جال أيمن السيسى فى أوكار قراصنة البحر الصوماليين كاشفا فى كتابه المثير “29 يوما فى الصومال” دعم أمريكا للقراصنة فى المحيط الهندى، وتأسيس ميليشيات عسكرية لها فى ثلاث قواعد سرية فقى “بونت لاند” كشف عنها الكتاب لأول مرة، وكشف أيضا عن دعمها للحرب على اللغة العربية والأزهر بعد مشاركتها إثيوبيا فى إسقاط نظام سياد برى وتفتيت الصومال كبداية لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الكبير الذى وافق عليه الكونجرس الأمريكى فى جلسة سرية فى منتصف الثمانينات. ويلفت أيمن السيسى نظرنا للعلاقة المصرية – الصومالية، وكيف كانت مدنه الشاطئية على بحر العرب ومضيق باب المندب، مدنا مصرية تتبع محافظة البحر الأحمر حتى نهاية عهد الخديوى إسماعيل، وكيف كانت رؤية الحكام من أسرة محمد على استراتيجية لضمان سيطرة مصر على منابع النيل ومضيق باب المندب متوافقة مع رؤية جمال عبد الناصر الذى سجل أيمن السيسى غناء الصوماليين والدعاء له بالنصر فى حرب 1956. كما نقل عن سنيين ووزراء سابقين فى دولة الصومال “سابقا” ودور الأزهر الشريف فى دعم الاتجاه العروبى والإسلامى المعتدل الذى تشن عليه حربا شعواء من داعمى المد الوهابى التكفيرى فى أقاليم الصومال. يسرد السيسى حقائق ما اكتشف وهو يسرد تفاصيل مغامراته بداية من سفينة المواشى التى أقلته من اليمن إلى شواطئ الصومال، وكيف لم تثنه التحذيرات المتكررة من القتل والخطف، وكيف تعرض لها بالفعل ونجا منها ومن الاعتقال مرتين فى اليمن والصومال، مع تفاصيل حياة الركاب الفقراء على السفينة. وقصص العشق والجنس فى حياة فقراء الصومال وداخل أوكار القراصنة. كتاب “29 يوما فى الصومال” مغامرة خطيرة تمثل نوعا جديدا من أدب المغامرات والرحلات .. جدير بالقراءة. فى كلمات لا تقل إثارة عن مغامرته مع قراصنة البحر فى المحيط الهندى، يكشف أيمن السيسى فى كتابه الجديد “29 يوما فى الصومال” أسرار القراصنة الصوماليين، وهل عجزت أساطيل أمريكا والدول الكبرى عن مواجهة هذا الخطر الذى هدد 35% من حجم التجارة العالمى، أم أن هذا الذعر الذى بثته حركة خطف السفن كان مقصودا بل ومدعوما من أمريكا لإبعاد شركات التعدين العالمية عن مناطق النفط والذهب واليورانيوم الذى تحفل به أرض الصومال، وأيضا إبعاد عيون العالم عما تفعله فى “بونت لاند” بتأسيس قوى عسكرية موالية لهامن خلال عدة معسكرات فى بوصاصو ومدن أخرى تشرف عليها وتمولها وتوفر خبرائها العسكريين لتدريب 3 آلاف شاب تحت قيادة عدد من ضباط الجيش فى دولة الصومال أثناء حكم سياد برى، وعملوا على إسقاط نظامه بدعم أمريكى – إثيوبى – إسرائيلى – ليبى، ليصبح الصومال تجربة التقسيم والتفتيت ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير الذى وضعه أستاذ التاريخ الصهيو-أمريكى برنارد لويس ووافق عليه الكونجرس الأمريكى فى جلسة سرية عام 1983. ويتتبع أيمن السيسى فى حركته الخفيفة فى إقليم “بونت لاند” نشأة القراصنة فى الصومال، وكيف دعمتها أمريكا بالوثائق والصور التى تكشف لقاءات ضباط مخابراتها وبحريتها مع شيوخ قبائل القراصنة. ويمضى بكلماته المبهرة وتركيباته اللغوية الدقيقة فى وصف معاناته بداية من سفينة المواشى التى استقلها من اليمن ليصل بها إلى الصومال، وكيف حاول القراصنة اختطافه مرات، ونجاته من الموت المحقق عدة مرات، ومن الاعتقال فى اليمن والصومال. وفى ذلك يرصد وجود جناحى سلطة فى هذا الإقليم، وفى “دولة صومالى لاند” التى أعلنت استقلالها كدولة بعد سقوط الصومال، ولم تعترف بها سوى إثيوبيا وتنازع هذان الجناحان بين التوجه العربى والآخر الإثيوبى، وكيف تتم محاربة بعثة الأزهر فى عملها ومحاربة اللغة العربية للقضاء على وجودها، وكيف تم تفريغ الصومال من العقول والمثقفين، وما علاقة إسرائيل وإثيوبيا خصوصا فى السيطرة على “صومالى لاند” المشرفة على مضيق باب المندب من شاطئه الغربى. كتاب “29 يوما فى الصومال” مغامرة صحفية فى أوكار قراصنة البحر. يرصد فيها المؤلف تنامى المد الوهابى وفكر التكفير ضد الطرق الصوفية فى الصومال. كتاب ثرى ملئ بالمعلومات والمغامرات والحقائق التى تساعد على كشف ما حاولته أمريكا فى مصر من دعم الإخوان لتفكيك الجيش المصرى كما فعلت فى ليبيا وتحاول فى سوريا. فى كلمات سريعة كالرصاص التى كادت تودى بحياته، وفى سرد قصص مثيرة جمعت ما بين أدب الرحلات وما يمكن أن نُطلق عليه أدب المغامرات، يتنقل بنا أيمن السيسى فى كتابه الجديد “29 يوما فى الصومال” ما بين الأقاليم “المفتتة” من دولة الصومال بعد سقوط نظام الرئيس سياد برى عام 1990، وانفراط عقد “الدولة القومية” فيها. يبدأ الكاتب أيمن السيسى مغامرته من مدينة المكلا باليمن التى ما عرف أحد فيها نيته بالسفر إلى “أوكار قراصنة البحر” فى الصومال إلا ونهاه وحذره من الموت. قال لى عوض باريسا: فى الصومال من الممكن أن تُقتل بسبب “الموبايل” الذى معك، أو تُخطف، لأنك غريب، وتقتل أيضا .. القتل هناك ليس أسهل منه ولا أسرع، يا الله .. الجميع يحذرنى ويخيفنى، ويبشرنى بالقتل المؤكد”. وهكذا كانت التحذيرات له من السفر إلى الصومال دائمة. والمعلومات عن القراصنة ضئيلة. مضت به أيام فى حضرموت يحاول التقاط أى خيط أو الإمساك بأى معلومة “أصبحت أهيم فى شوارع المكلا كالممسوس بجن أو كالهارب من “السلعوة” أخبث غيلان الصحراء. وفى المكلا يكثر المتسولون من الصوماليين الهاربين من القتل والفقر. صرت كما المتسولين فى الشوارع استجدى المعلومة أو المساعدة لدى الأمن السياسى للإفراج عنى من المدينة”. ورغم إلقاء القبض عليه فى اليمن لمنعه من السفر عبر ميناء المكلا إلا أنه استطاع ركوب “سفينة المواشى” لتبحر به عبر المحيط الهندى فى رحلة طالت لستة وثلاثين ساعة مليئة بالمغامرات والاحتكاك به، مرة بالضرب ومرة بمحاولة إلقائه فى المحيط حتى وصل إلى “بوصاصو” مدينة القراصنة والسلاح والقتل. لينتقل منها فى مغامرات سريعة وغير مأمونة العواقب إلى “ايل” و”جلكعيو” و”جريو” و”قسمايو” ليخترق أوكار القراصنة مرة بادعاء أنه مدرس مصرى، وأخرى كباحث يدرس الطرق الصوفية، ومرة كتاجر مواشى. وينتهى كل لقاء باكتشاف أمره ومحاولة قتله أو خطفه، حتى ألقت المخابرات الصومالية القبض عليه واعتقاله فى سجن الميناء. الكتاب ملئ بالحكايات والمعلومات عن الصومال، وبزوغ شمس القرصنة فيها بمساعدة الأمريكان لإبعاد مصر والعالم العربى عن الصومال الذى كان أول حلقات مخطط تفتيت الوطن العربى وتقسيمه إلى دويلات فاشلة، والذى تمت الموافقة عليه كمشروع فى جلسة سرية بالكونجرس الأمريكى فى منتصف الثمانينات، وكان العراق هو الدولة التالية ثم السودان ثم الربيع العربى الذى وصل إلى إنهاء الدولة فى ليبيا، ومحاولة تفكيك الجيش المصرى باستخدام الإخوان أو بالتعاون معهمو، وممارسة نفس المحاولة فى سوريا. كتاب “29 يوما فى الصومال” الذى صدر مؤخرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، جرئ ومثير وجدير بالقراءة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.