بناء المجتمعات

154 views مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 24 يناير 2017 - 10:42 مساءً
بناء المجتمعات

بناء المجتمعات بين الواقع والتطبيق، والمسئولية بينها وبين الأفراد

بقلم جاسم المطوع

“إن الفقر يتحدى كل فضيلة وسلام، لأنه يورّث صاحبه درجةً من الانحطاطِ والتذمر تكتسح أمامها كل شيء، حتى لا يبقى قائماً أمامه غير هذا المبدأ -كن أو لا تكن-“

توماس بن

مفكر أنجليزي، القرن الـ 18.

النفس البشرية عجيبة التركيب والتكوين، وهي قابلة للتغير والتكييف مع مرور السنين، والغوص بداخلها مدعاةٌ للاندهاش دائماً، وفي هذا السياق يؤكد علماء الاجتماع أن الزعيم قد يُضحي بنفسه ونفيسه في سبيل الخدمة المجتمعية أحياناً، فتراه يسهر الليل ويتحمل الاضطهاد وينال الأذى غير مكترث بما ينال وكأنه مخلوق من طينة غير طينة البشر، وقد يظن الناس أنه لا يشعر بذاته ولا يحب مصلحته الخاصة، والواقع أن ذاته الخاصة قد اندمجت في ذات مجتمعه فأصبح يشعرُ بالمصلحة العامة وكأنها مصلحتهُ الخاصة، غير أنه لم ينسى ذاته كما يتصور البعض، فهو لايزال مُحِبٌ لها وساعٍ وراء إنمائها لا يختلف في ذلك عن آي شخصٍ أخر، وإنما الفارق في أن ذاته كَبُرَت ونمت حتى أصبحت تشمل كامل المجتمع !!

وكذلك هو الحال بالنسبة للزعيم الذي يرى الناس يتهافتون عليه ويهيمون بحبه ويذوبون فيه لا يحس بوجوده منفرداً، فهو يشعر بإنه أصبح رمزاً حيّاً لهؤلاء الناس يدخلون في صميم وجدانه ويصيرون جزءاً لا يتجزأ من تكوين شخصيته، بعكس شخصية الفرد المجرم مثلاً والذي يضر الناس بأفعاله وبجرمه، فهو إنسان شاء سوء طالعه أن تكون مصلحته منافية للمصلحة العامة، فهو ينشأ في بادئ الامر كما ينشأ الزعيم فرداً عادياً يسعى وراء ذاته و يرعى مصلحتها، لكن ظروفه النفسية والاجتماعية دفعته إلى القيام بعملٍ مضرٍ أدى إلى تغيير نظرة المجتمع والناس إليه، فأصبحوا ينظرون إليه بعين الاحتقار ربما، وكلما أمعن المجتمع في احتقاره أزداد هو إمعاناً في فساده وإجرامه !!

لقد استقر في رأي علماء النفس أن الإنسان يضع مصلحته قبل مصلحة الأخرين، وهذا سلوك النفس البشرية بشكلٍ عام، فإذا رأى المصلحتين متناقضتين رجح مصلحته الخاصة، فالإنسان الصالح كالفاسد في حب مصلحته، والفرق بينهما يكمن في أن أحدهما قد اتاحت له الظروف أن تكون مصلحته الخاصة مطابقة للمصلحة العامة، وهذا ما يُساهم في تكوين شخصية الزعيم، والأخر تضاربت مصلحته مع المصلحة العامّة، فهذا ينزل وذاك يصعد وشتان ما بين النزول والصعود في نظر الناس !!

وهذا ليس شأن الزعيم وحده، بل هو شأن كل مواطن صالح يقوم بعمل يخدم به نفسه ويخدم به الغير في آنٍ معاً, فكلُ بارعٍ في فنٍ أو علمٍ أو صناعةٍ هو من هذا الطراز في قليلٍ او كثير، فالمخترع الذي يسهر الليالي في سبيل الوصول إلى اختراعٍ جديد إنما هو يسعى في سبيل شيء ينفعه ثم ينفع الناس، وكذلك هو شأن الكاتب والباحث والمهندس والطبيب والمعلم والفنان والتاجر وغيرهم، كل واحدٍ منهم يريد بعمله نفع نفسه أولاً وانتفاع المجتمع من عمله وعلمه أيضاً وبغض النظر عن حجم المنفعة المتبادلة !!

ونجاح المجتمعات وتقدمها يُقاس بتوافر وبكثرة هذه النماذج فيها، فالمجتمعات المثالية هي التي يكثُر فيها أمثال هؤلاء الأفراد، وهم يزيدون بأعمالهم من ثروتهم ورفاهيتهم وكرامتهم، لينعكس كل ذلك أيجاباً على مجتمعاتهم، وبالتالي تزيد قيمة مجتمعاتهم التي استثمرت بشكلٍ مهم في مواردها البشرية والتي حتماً سترفع من قيمتها و قيمة أفرادها !!

أما المجتمعات الفاسدة، فتلك التي لا تستطيع أن توفق بين مصالحها ومصالح أفرادها ومنتسبيها، لذى يُلاحظ فيها زيادة نسبة المجرمين أو الفاسدين والحاسدين والحاقدين والمعتدين والمعتوهين، مما يؤدي إلى استمرار المجتمع في سقوطه نحو الحضيض وإن كانت معالمه الشكلية الظاهرة تُنبأ بعكس ذلك !!

ﻭفي هذا التحليل السريع مدعاةٌ للتأمل والنظر في أحوالنا وأحوال مجتمعاتنا ولإعادة النظر فيما تقدمه لنا، وبالمقابل ما نقدمه نحن لإنفسنا ولمجتمعاتنا وحتى تكتمل هذه المعادلة بشكلها الصحيح.

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر