مقالات

المسرح العجوز…وعرض الجلسة الشاب

بقلم إسراء إمام


المسرح المصرى فى السنوات الماضية، وفى أغلب تجاربه، وأنجحها أيضا بين الأوساط الثقافية، اعتاد على تخليق عروضه وفقا لمقاس التصريفات المسرحية السالفة، الضروريات التى تعنى بحركة الممثل، صوته، لغته الجسدية، وبالتأكيد لن نختلف على كون هذه النقاط أيقونات عامة، العناية بها أمر مفروغ منه للممثل عموما سواء المسرحى أو غيره.

ولكن مع مرور الزمن، وتعاقب تأكيد العمل على هذه المبادىء، والحرص على غاية كمالها، اختلط الأمر، وتحول_بالنسبة للممثل المسرحى تحديدا_إلى موروث استعراضى، فرغ هذا الاجتهاد من مضمونه، وتحول لأدوات شكلية مقيتة، ومثيرة للضحك أحيانا على الرغم من كل جديتها، باتت أشبه بكيليشيهات، الغرض من استخدامها لم يعد حقيقيا، بقدر الاعتياد عليه. وهاجس التعامل مع الممثل، امتد بمفهوما ظاهريا بائسا ليطال التعامل مع فن المسرح بأكمله، فأضحت معضلة “البيضة ولا الفرخة” أكثر قابلية للحل، أمام ما حدث لرسم صورة العرض المسرحى، وتحديد إطار لها باعتباره مسلمات ثمينة.

لذا، وسواء اعترف الكثيرون منا أم لا، فإن المسرح المصرى فقد الكثير من صدقه الفنى فى الآونة الأخيرة، اللهم إلا عروض نادرة استطاعت أن تفسح لنفسها حيزا، بعيدا عن المدرسة السالفة، والتى  بالمناسبة حتى وإن كانت جميلة بشكل ما، لا يُشتَرَط أبدا أن تُعبَد كإله، لدرجة أنها تصبح بديهيات مسرحية، وقد انعجنت بمفاهيم العمل المسرحى، حتى باتت لا تفارقه، ولا من دونها يجوز!

فالمسرح فن، والفن ابتكار وحرية، ما إن تشبث فى ذيل التقليد، شاخ وبدأ فى الاحتضار.

نموذج عرض “الجلسة”

“الجلسة” عرض مسرحى يعرض الآن على مسرح الطليعة، تأليف وإخراج “مناضل عنتر”. يعد هذا العرض من التجارب القليلة التى تملك قوت فكرها، وكيانها الخاص مكتملا.

فبداية هى تملك موضوعها الغير مألوف، والذى وإن إختلفنا أو اتفقنا معه، سيظل فريدا فى رسم خطة تناوله وتنفيذه.

عرض “الجلسة” بأكمله ينقل عدة جلسات لإستخراج شيطان ما تلبس جسد فتاة.  ويمكن القول أن طريقة تناول الموضوع وحدها، جريئة، وخاصة جدا، لأننا اعتدنا دوما استخدام مثل هذه التيمات للقفز من خلالها إلى معانى أبعد، يدّعى أصحابها أنها أكثر فلسفية وإنسانية، باعتبار أن مسألة الخوض فى علاقاتنا بالعالم السفلى أتفه من أن تكون خانة أصيلة، يدور حولها الصراع الدرامى، لكن عرض “الجلسة” لم يلجأ لمثل هذه المنهجية الفقيرة. والحقيقة أنه حينما تفانى فى العمل على الفكرة بكل هذا الإقدام المنزوع التعالى، والالتفاف، بلغ به حافة صادقة من الإرباك والتأمل المرتبط بشكل حياتنا، وعلاقتنا مع أدمغتنا، مشاعرنا، اتساقنا مع شرورنا وضلالاتنا. بلغ بنا منطقة ملغومة من الصراعات البشرية الكونية، قد لا يطأها قدم من يحشى رأسه وفنه بحتمية اللحاق بركب مثل هذه المعضلات كأولوية.

عرض “الجلسة” قدم نموذجا فريدا لإدارة الحركة على المسرح، سواء فيما يخص الاستعراض، أو الأداء ذاته، فاستطاع صناعه بذكاء أن يجيدوا تعشيق الموضوع بالمقابل البصرى، فلأنك سترى عدة عفاريت على المسرح، سوف تنبهر عيناك بطريقة مشيتهم، و التكوينات الغريبة التى يصنعونها بأجسادهم، وهنا يجب الإشادة بالليونة الجسدية لدى كافة الممثلين المشتركين فى العرض، وقدرتهم المذهلة على تنفيذ هذه الأوضاع الجهنمية ببراعة، مُضفيين قيمة نفسية لاواعية داخل كل متفرج، تحرضه على تصديق كل شىء يراه.

نفس التوصيف سينطبق على مجهود الميكياج، والذى يعكس فى معنى اتقانه بهذا الشكل بأنك أمام حالة شديدة الوعى مسرحيا، لم تتكرر كثيرا، حتى فى أقوى التجارب جمالا، هذه التجربة ستظل أكثرهم اكتمالا ونضجا.

أما عن الأداء التمثيلى، فهو الآخر ملفت وموظف، ثمة حنكة فى تسكين كل دور منذ البداية، وكأن الدور مكتوب خصيصا لصاحبه، هذا إلى جانب نضج وحرفية كل ممثل فى التفهم والشعور بالمساحة التى يمثلها للعرض بأكمله، كلهم صادقون حقيقيون، وموهوبون بحذق وبما فيه الكفاية، لينافى منطق التشبه بنجوم المسرح المعتادين، المتلبسين بالطابع الظاهرى الذى بات محفوظا إلى حد ما، والمشكلة الحقيقية أن تقيييم هذا الطابع بات يبدأ من التغاضى عن كونه مقولبا، وكأن الرضى بالقليل أصبح هو الغنى بعينه.

عرض “الجلسة” استخدم اللغة الفصحى فى موضعها، لم يتباهى بها، ولم يُجبَر على أن يجعلها لغة الحوار الوحيدة، وحينما لجأ إلى العامية حقق ذات المعادلة. وبالتأكيد، لم يجمع بين اللغتين لأن مثل هذا التصرف بات معتادا مؤخرا كنوع من التجديد، وإنما ما يميز هذا العرض، أن كل ما قرر الاستعانة به كان مخلصا للتجربة، حتى وإن كان تقليدا سبق التعامل به.

عرض “الجلسة” عرض متميز، لا يقف تفرده عند الإنبهار، وإنما يمتد ليفتح بابا واسعا من الأسئلة، يمد لنا مجالا لإعادة النظر فى الحالة التى اعتدنا أن نرى فيها المسرح، حتى وإن بلغ أوج جماله داخل القالب. فالمسرح فن يحتاج إلى قدر من الطلاقة التى ستلمسها فى عرض مثل “الجلسة”. فن يحتاج لأن يجدد دمائه وفقا لرؤية صانعه، فن يحتاج لأن يتخلص من القيود التى يتوارثها الجميع باعتبارها أسس خنقت فن المسرح بداخلها بمرور الوقت، وحولته إلى شكليات تاه فيها مفهوم التفنن، وشطحات الموهبة الصادقة.

آخر كلمتين:

_الديكور البسيط والمهيب بدرجة غير مسبوقة  تعى كيفية الإمساك بعنق موضوع العرض. إضافة إلى الحرص على اختيار خلفية صوتية ملهمة ومناسبة تماما لحالة المعايشة التى يتمناها الصانع للمتفرج، اللهم إلا بضع مقطوعات صوتية باتت غير ملائمة لكل هذه الطاقة الموفقة من الإبداع والجمال.

الوسوم

تيسير علي

Graphic Designer Alexandria, Egypt t.aly@fekra.media

مقالات ذات صلة

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock