تحقيقات وتقارير

تهجير قسري في سوريا برعاية المجتمع الدولي

كتب أحمد أبو حبيب
بدأت القصة فيها لتضرب بأنحاء عدة في سوريا قبل أن تحط رحالها بحي الوعر الأشهر في المدينة، فآلاف المدنيين يهجرون عن مساكنهم عمدا، جراء صمت عاجز أو موافق أو متآمر، وفي تجاوز صارخ للقانون الدولي ومؤسساته الراعية.
في سنة 2014 هجر النظامُ قسريا سكانَ أولى المناطق في سوريا بأحياءحمص القديمة، وخرج من ركام الحرب وأنقاضها ومن بين براثن الحصار والجوع لآلاف المدنيين، لتستمر “التغريبة” لاحقا من مناطق الزبداني ومضايا، وبلدات داريا وقدسيا والهامة والمعضميةفي أرياف دمشق وشرقي حلب مؤخرا، وقبل كل ذلك في القصير.
يغادر أهالي حي الوعر مدينتهم المضرجةبدماء الثورة مكرهين، يتركون مراصدهم التي صدوا منها جنود النظام لأكثر من ثلاثة أعوام، يخلون بيوتهم تاركين ذكرياتهم الموشومة بالحرب والحصار، يحملون أوجاع الرحيل، وما تيسر من متاع وبندقية، وأسئلة عن مصير الثورة وعن قيمة القانون الدولي.
ويعتمد النظام على أساليب مركبة في تنفيذ عمليات التهجير القسري، أساسها العمليات العسكرية والحصار والتجويع والقصف الجوي، وارتكاب المجازر وبث سلطان الخوف والرعب في النفوس. ليدفع نحو ثلاثين ألفا من أهالي حي الوعر للخروج من ديارهم ومدينتهم. ومئات الآلاف من أنحاء سوريا إلى نزوح داخلي لم تعد أهدافه خافية.
خروج المدنيين وعناصر المعارضة .
تطهير عرقي
يغلف النظام كل ذلك ضمن”المصالحات” أو ما يسميه النزوح الإرادي أو الاضطراري إلى مناطق تتوفرفيها ظروف أمنية أفضل، في سردية يعمل من خلالها علي مراوغة القانون الدولي، ومغالطة الرأي العام المحلي والدولي، في ظل ما يراه من صمت دولي يقوم على تقاطع مصالح بين عدة أطراف.
ورغم مراوغات النظام وإخراجاته المتعددة لملف التهجير، تشير مبادئ القانون الدولي الإنساني إلى أن ما يحصل يقوم في النهاية على تطهير عرقي ممنهج، إنما لأنه يتأسس على”الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها”.
وتستند هذه الجريمة وفق هذا التعريف إلى ركنين أساسيين:
أولهما الركن المادي والذي يتحقق من خلال إجراءات تقوم بها الحكومات أو المليشيات غيرالحكومية، خلال النزاعات المسلحة الدولية أو الداخلية، تؤدي إلى إخلاء مجموعات أو فئات معينة من أراضيها،واستبدالها بمجموعات أو فئات أخرى.
وتشير المادة )7-1-د( من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدوليةإلى أن “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان، متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي، موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، يشكل جريمة ضد الإنسانية”.
وتشير المواد )6 و7 و8( من نظام روما الأساسي أيضا إلى أن “الإبعاد أو النقل غير المشروعين” للسكان من مناطقهم يشكلان كذلك جريمة حرب.
وتؤكد الحقائق على الأرض في المناطق التي جرت فيها عمليات التهجير والأدلة الصادرة عن المنظمات الحقوقية والإنسانية إلى مسؤولية النظام عن عمليات التهجير والنقل القسري، والتي تعتبرها المادة )49( من اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس 1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977،جرائم حرب دامغة.
من الناحية القانونية أيضا، تشكل عمليات التهجير القسري انتهاكا لـاتفاقيةمنع جريمة الإبادة الجماعية التي أقرتها الأمم المتحدةعام 1948، والتي تعتبر -في مادتها الثانية- أن الأفعال المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أوعنصريةأو دينية بمثابة “إبادة جماعية”.
وينطبق هذا الأمر على استهداف النظام للأكثرية من السكان السنة الذين يقطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، والذين أجبروا عبر القصف الجوي أو الحصار والتجويع، أو المصالحات القسرية، على إخلاء تلك المناطق بصورة جماعية.
ورغم تصنيف القانون الدولي لما يقوم به النظام السوري -ومنذ سنوات- بأكثر من جريمة، فإن فشل المجتمع الدولي في وضع نهاية للمأساة السوريةالمتواصلة، منحته الضوء الأخضر لمواصلة تنفيذ مخططاته مستفيدا من تواصل “الإفلات من العقاب”.
وخلال تنفيذ تفاق داريا في الغوطة الغربية لدمشق في سبتمبر 2016،
قال ستيفن أوبراين مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إن “الاتفاقيات التي ينجم عنها إجلاء جماعي للمدنيين بعد فترة طويلة من الحصار لا تتوافق مع قانون حقوق الإنسان الدولي”.
لكن الأمم المتحدة لم تُدِن عملية التهجير باعتبارها جريمة حرب، وصمّت آذانها عن عمليات تهجير لاحقة، مثل ما حصل فيوالمعضميةوقدسية والهامة في ريف دمشق وغيرها، كما ساهمت عدة مرات بالإشراف على عملية نقل السكان خارج أرضهم بدعوى المساعدة الإنسانية، متجاوزة أصل المشكلة.
وباعتبار أن المبدأ القانوني يفيد بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، فإن السوريين ينتظرون تفعيل القوانين الدولية، والنظر في الجرائم المركبة التي ارتكبها النظام السوري من خلال عمليات التهجير القسري أو غيرها.
ولعل إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر الماضي تشكيل هيئة مهمتها جمع الأدلة حول جرائم الحرب في سوريا والتحضير لمحاكمات تتعلق بهذه الجرائم، واتهام قيادات عسكرية وسياسية من النظام يعد خطوة لمعاقبة مرتكبي هذه الأفعال، وفق المتابعين للمسألة السورية.
والأدلة التي ستجمعها الهيئة، وتلك التي جمعتها لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة منذ 2011 حول الانتهاكات الكثيرة في سوريا، يمكن أن تتحول إلى إجراء قانوني بحق مرتكبيها قد يتأخر في دهاليز المؤسسات الدولية -وفق المعطيات الراهنة- وقد لا يأتي أبدا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق