هل النخبة.. ظاهرة صوتية!

34 views مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 20 أبريل 2017 - 2:17 مساءً
هل النخبة.. ظاهرة صوتية!

 
بقلم : محمد رفعت 
بين من يسمون أنفسهم بالنخبة وبين معظم الناس، انفصام كامل وهوة سحيقة، تجعلهم يعيشون فى برج عاجى، ويبدون وكأنهم يتحدثون لشعب آخر غير هذا الشعب، أو يتحدثون مع أنفسهم، ويناضلون فى سرهم، رغم التغطيات الإعلامية الواسعة لمؤتمراتهم وندواتهم وحركاتهم وسكناتهم فى الصحف الخاصة والفضائيات الحرة المستقلة .
ورغم احترامى الشديد للكثيرين منهم، وفيهم أدباء لامعون وفنانون معروفون وأساتذة جامعيون ومفكرون كبار وصحفيون مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة ومهندسون ومحامون محترمون، إلا أنهم بعيدون كل البعد عن الشارع وعن الناس، والناس هم الآخرون بعيدون عنهم، ومشغولون بالكفاح اليومى من أجل البقاء..

وهم رغم الصخب الإعلامى الذى وفرته لهم ثورة الاتصالات وهامش الحرية المتسع، وبعض الضغوط الخارجية على النظام، لا تأثير حقيقى لهم، ولا جدوى تبدو فى الأفق، على الأقل القريب، مما يعلنونه من ائتلافات وتحالفات ضد الفساد أو من أجل التغيير، فالحال على ما هو عليه، والناس تعودت الحديث عن مظاهر التردى وأوجه الخلل وظواهر الفساد فى كل مؤسسات المجتمع، كجزء من الحوار اليومى فى البيوت وعلى المقاهى .
فالكل ينتقد، والجميع يتسابقون فى الكلام عن الحلم الضائع والأمان المفقود، أو يتباكون على زمان وأيام زمان، لكن لا أحد يتوقف ليسأل نفسه أو يسأل الآخرين، وماذا بعد، أو ماذا سنفعل لنقاوم هذا أو نعدل ذاك، أو من سيقوم بالتغيير، وحتى الإضرابات والاعتصامات التى كانت قد توقفت بعد ثورة 30 يونيو، ثم عادت من جديد على استحياء بعد أقل من عامين من حكم السيسي، لا يطالب أصحابها بتحقيق أهداف ثورة 25 يناير أو بإصلاح أو تغيير حقيقى، وإنما تطالب بمجرد مزايا فرعية لمهنة من المهن أو طائفة من الطوائف، كما كان يحدث أيام مبارك، بلا رؤية جماعية للمستقبل ولا تفكير جدى فى الغد.

أما الشباب المتحمسين والذين يعبرون عن أنفسهم بجرأة تصل أحياناً على درجة التهور وتغيب عنها في احيان اخرى الموضوعية، على مواقع التاصل الاجتماعي واهمها “الفيس بوك”، ومواقع الإنترنت، فلا صدى حقيقى لهم فى الشارع، ولا اهتمام بهم أو بما يقولون ويفعلون من غالبية الشباب أنفسهم، المشغولون بكرة القدم أو ضغوط الامتحانات أو البحث عن وظيفة .
ورغم احترامى الكامل أيضا لحماسهم وعدالة مطالبهم وصدق نواياهم، إلا أنهم سيظلون أقلية غير فاعلة، إن لم يتفاعل معهم على الأقل من هم من جيلهم، وأرى أنه كان الأجدر بهم أن يخاطبوهم ويستقطبوهم أولاً، قبل أن يحولوا خطابهم إلى المجتمع كله، صحيح أن الشباب والطلبة، تحديداً، كانوا دائما فى طليعة الوطنيين والمقاومين لكل أشكال الظلم، ولعبوا دوراً بارزاً فى كل حركات المقاومة الوطنية فى العصر الحديث، وكانوا ولا يزالون يمثلون الوقود الحى لكل الاحتجاجات والتظاهرات، لكنهم يبدون الآن، وكأنهم لا يعرفون ماذا يريدون بالضبط .. فالحماس وحده لا يكفى للتغيير، والإصرار على المعارضة الاستعراضية قد يحولهم هم الآخرين، كما تحول مناضلو النخبة إلى مجرد ظاهرة صوتية أو إعلامية!
أما الشعب فهو الغائب الحاضر فى جميع المناقشات والمعارك التى تدور فى الأوساط الثقافية والسياسية، وتتبارى الصحف والقنوات الفضائية فى تأجيجها وإلقاء الزيت عليها لتسخن وتشتعل..والجميع يلوم الشعب ويتهمه بالقصور والتقصير ويلعنه وينعته بأحط الصفات وأقسى الألفاظ.
فالسياسيون الحكوميون يرون الشعب كسولا ومتواكلا يعتمد دائما فى أموره على الدولة، ويتكاثر بمعدلات تفوق معدلات التنمية، وتظهر الحكومات المتعاقبة على أنها عاجزة وفاشلة، و يطالبونه فى جرأة وصلافة يحسدون عليها بالاعتماد على نفسه وقدراته، وأن يحل بوجهه ومشاكله وهمومه عن ماما “الحكومة” المشغولة بأمور أخرى أهم وأخطر، رغم أن هذه الحكومة نفسها التى تشكو الآن من “رذالة” الشعب، هى التى تشل قدراته وتعطل طاقاته وتضع فى وجهه العراقيل وتسود عيشته بقوانين الجباية والفساد والرشاوى والضرائب، وهى التى تضطره للتحايل على الفساد بالفساد، هروبا من إرث البيروقراطية المتخلف ومئات القوانين التى تخنق الناس وتجعلهم أسرى الحكومة وعبيد أوامرها ونواهيها وسلطتها الباطشة.والمثقفون يلومون الشعب لأنه خاضع وخانع ..لا يقرأ ولا يفهم أو يستوعب “سفسطاتهم” الفاسدة ومصطلحاتهم العقيمة وقضاياهم البعيدة كل البعد عن هموم الناس الحقيقية ومتطلبات حياتهم، وأسئلتهم الوجودية التى يطرحونها على أنفسهم ويتجادلون حولها، ثم لا يصلون إلى شىء ، وكأنهم يدورون فى متاهات من الألفاظ والمعانى المبهمة والحديث عن الأصالة والمعاصرة والكونية والعولمة وجدلية الشرق والغرب والتقدم والتخلف، دون أن يقدموا رؤية واضحة للخروج من أزمة المجتمع، وكثيرون منهم يتحالفون مع السلطة ويرتزقون منها ويشاركونها التعالى على الشعب والتنكيل به، بحجة أنه غائب أو مغيب أو أنه شعب جاهل لا يقدر عبقريتهم المزعومة فى التحليل والتفسير واستنباط الحلول المستحيلة من بين تلال الكتب التراثية والمعاصرة ومئات النظريات من الشرق والغرب، والتى لا تصلح بالطبع لنا لأنها ببساطة دخيلة علينا أو مستوحاة من تجارب شعوب ومجتمعات أخرى لا علاقة لها بظروفنا وتاريخنا ومشكلاتنا الحقيقية.
والمتدينون ودعاة الدين وحملة لواء الإسلام ورافعو لافتاته على اختلاف توجهاتهم وتياراتهم المتطرف منها والمعتدل، يلومون الشعب هم أيضا لأنه نسى الله وغرق فى ملذات الحياة “غير الموجودة أصلا” ، وانشغل بعبادة أصنام كرة القدم ونجوم الأفلام والمسلسلات والأغانى عن الزهد والتنسك والتمسك بالإسلام الذى يختلفون جميعا فى تفسيره وينصبون من أنفسهم أولياء وأوصياء عليه وعلينا، ويستغلون خوف المصريين الفطرى والتاريخى من الحساب والنار وجهنم الحمراء التى يبشروننا جميعا بأننا سنكون من زبائنها إن نحن لم نستمع إليهم ونسمع كلامهم، ناسين أو متناسين أن الغرب المنحل والشرق الكافر سبقنا إلى التقدم، رغم أنه نسى الله قبلنا واختار الدنيا عامدا متعمدا، ومع ذلك فقد حقق لشعوبه الرخاء والرفاهية والحياة الكريمة التى فشلنا نحن فى تحقيقها.
والحقيقة أن أحدا من السياسيين أو المثقفين أو رجال الدين الذين يتحدثون دائما عن الشعب وباسم الشعب، لم يحاول أن يقول لنا من هو الشعب الذى يحدثنا عنه أو يتحدث موجها خطابه إليه .. وهل هو شعب الفلاحين والعمال، أم شعب الموظفين المطحونين؟ هل هو شعب العشوائيات والبشر المنسيين والمهمشين، أم شعب قصور المنصورية وشاليهات الساحل الشمالى؟ وهل ما ينطبق على شعب المعادى ومصر الجديدة ومنتجع البيفرلى هيلز يمكن أن ينطبق أيضا على شعب منشية ناصر وعزبة أبو حشيش؟ وهل العيب حقا فى الشعب الذى احتار الجميع فى تعريفه وتصنيفه ..أم العيب فى لغة الخطاب التى توجه إليه، والغرض من هذا الخطاب ونوايا المتحدث والمغزى من الحديث؟
فالشعب الذى سبق أن دقت على رأسه ملايين الطبول، أصبح من الخبرة والذكاء، بحيث يستطيع أن يفرز بسرعة قد لا يتصورها المتحذلقون، من يريد استخدامه كورقة للمزايدة السياسية، ومن يحبه بالفعل ويريد له الخير والتقدم..بين المناضل الحقيقى ..ومناضل الخمس نجوم بالدولار والاسترلينى فى الفضائيات.

وهو -أى الشعب- حين يحب شخصا أو يلتف حول رمز من الرموز الحقيقية ، فهو يحبه بجد وببساطة وتلقائية ولا يتخلى أبدا عن هذا الحب مهما بلغت حملات التشويه والتنكيل من المأجورين وخدام الأسياد القدامى والجدد.
وقبل أن نلقى كل بلاوينا وعجزنا وهواننا على شماعة الشعب الذى لا يقرأ ولا يهتم ولا يريد أن يسمع ويستوعب..يجب أن نعرف أولا ..لماذا انصرف الشعب عنا جميعا، وعاد إلى “الكنبة”، بعد أن كان قد نفض عن نفسه الأنا مالية والاستسلام للأمر الواقع في 25 يناير و30 يونيو، ولماذا عاد ليعطى ظهره للسياسة وأربابها .. ولماذا فقد الثقة فى كل ما يقرأه ويراه على الشاشات الرسمية والخاصة..والإجابة هى لأنها ولأننا بصراحة شديدة مشغولون بأشياء لا تمسه ولا تعنيه.
ويُقال إن وزير الشباب والرياضة في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس المخلوع مبارك، كان يلجأ إلى المسئولين عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة لينتقوا له عددا من طلابها وطالباتها ليحضروا المباريات ويشجعوا المنتخب الوطني لكرة القدم، حاملين الأعلام وراسمين ألوانه الثلاثة على وجوههم، حتى يعكسوا صورة مشرفة لمصر، وعنواناً لشعبها الجميل المرفه “الهاى كلاس”.
وهذا بالضبط هو الشعب الذى كان يريده مبارك ونجله وشلة المنتفعين بعصره ويعملون من أجله المشروعات وينشئون الكبارى ويرصفون الطرق وينفقون الغالى والنفيس من أجل حمايته وحراسته وعزله عن الغوغاء فى منتجعات سكنية على أطراف القاهرة، وعلى طول طريق مصر الإسكندرية الصحراوى والساحل الشمالى وجنوب سيناء.
وهذه هى الحدود الجغرافية التى كانت”ولا تزال” حتى بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو تشكل لهذا الشعب وطناً افتراضياً أطلقوا عليه- مجازاً- لفظ مصر، فى حين أنه يعنى دولة أخرى تماماً لاعلاقة لنا بها ولا علاقة لها بنا.
دولة هؤلاء المواطنين الافتراضيين الذين قد تقع عليهم عيناك وأنت تركب الميكروباص أو تقود سيارتك “المتهالكة” وتحدق إليهم بنظرات الدهشة والانبهار دون أن يلتفتوا إليك أو يحسوا حتى بوجودك.
وقد أتاح لى عملى كصحفى يُسمح له بالاختلاط بكافة الشعوب المصرية الشقيقة – بما فيها شعب الكنيسة – أن التقى بنماذج من أصحاب الوطن الافتراضى، فوجدتهم يتحدثون العامية المصرية بلكنة أجنبية، ويخلطونها بألفاظ وجمل إنجليزية كاملة من باب التوضيح وسرعة التعبيرعن الأفكار وليس من باب الفذلكة أو الحذلقة، كما يفعل أبناء شعوب مصرية أخرى أقل فى المكانة والمرتبة الاجتماعية.
وفوجئت بأنهم يشكون أيضا من عدة أشياء تتركز غالبا حول ازدحام المرور، وانعدام النظافة فى كثير من الأحياء والشوارع التى يضطرون إلى المرور بها فى طريق ذهابهم من وإلى منتجعاتهم السكنية المعزولة.. ويشكون أيضا من مستوى بعض المذيعين والمذيعات “السوفاج” الذين يقدمون برامج “التوك شو” التى يعتمدون عليها اعتمادا كليا فى معرفة أحوال الوطن الآخر الذى هو بالصدفة أيضا وطن افتراضى.
فالحقيقة أن ما اصطلح على تسميته بدولة مصر، ليس دولة واحدة ولكن مجموعة دويلات يجمع أبناءها حدود جغرافية واحدة، وأحيانا هموم واهتمامات مشتركة وهم يقتربون من بعضهم البعض بشدة فى أوقات الأزمات والأحداث الكبرى، لكنهم سرعان ما يعودون مرة أخرى إلى الواقع الأليم الذى فرضه حكم ظالم استمر عقودا طويلة صنف خلالها الناس إلى طبقات اجتماعية وسياسية وظل يزيد الفوارق بينها، وترك لنا ميراثا ثقيلا من الإحساس بالتهميش وضيق الأفق والأنانية المفرطة واستهلاك الطاقة فى صراعات سطحية وتحيزات تافهة لفريق كرة قدم أو مطرب عديم الموهبة، والانشغال بمطالب فئوية محدودة عن صناعة مستقبل لوطن يمكن أن يتسع للجميع بشرط أن يتم استعادته من أيدى من اختطفوه واحتكروا خيراته وتناوبوا على اغتصابه.
ويجب أن نتخلص من هذا الميراث السيئ ونعود مرة أخرى وطنا واحدا وحقيقيا وليس مجرد مجموعة من الأوطان الافتراضية يسكنها شعب يحمل أبناؤه نفس الجنسية، ولكنه مختلف كل الاختلاف فى الاهتمامات والتوجهات ودرجة الوعى والقدرة على الفهم والاستيعاب والتمييز بين ما هو أصيل ومخلص وما هو وافد ومزيف ومصطنع.
ولا يمكن أن يستعيد سكان مصر الأصليين وطنهم الحقيقى، إلا بعد أن نقلص تلك الفوارق الطبقية الرهيبة ونحقق الشعارات التى قامت من أجلها ثورة 25 يناير وهى العدل والحرية والعدالة الاجتماعية، والحقيقة أنه لا شىء قد تحقق منها حتى الآن!

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر