اللإصلاح ليس خطابات للمفكرين

115 views مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 20 أبريل 2017 - 3:39 مساءً
اللإصلاح ليس خطابات للمفكرين


  بقلم/احمد عنانى

لقد عرف الغرب النهضة في الفترة التي تُعرف بعصر النهضة (Renaissance) وهي الفترة الواقعة مابين القرنين الرابع عشر والسادس عشر. واستمرت مراحل التطور متلاحقة بصورة طبيعية بعد ذلك. أما الفكر العربي والاسلامي ،فلم يسبق له وان تعامل مع مصطلح النهضة بمعناه الحالي طوال تاريخه. عدا بعض المحاولات البسيطة نهاية القرن التاسع عشر.. وتلك التي جاءت بعد الحرب العالمية الاولى وهذه الحالة لها مدلولاتها….

  التاريخ العربي والاسلامي عَرف النهضة قبل الغرب (دون ان يُسميها) وذلك خلال القرون الثلاثة الاولى بعد ظهور الاسلام أي ما بين القرن السابع والعاشر الميلاديين وهناك الكثير الكثير من الدراسات التي تناولت تلك الفترة. ولكن ما يميز هذه النهضة انها كانت طفرة تاريخية طارئة لم يُكتب لها ان تستمر.

دخلت بعدها هذه المجتمعات مراحل من التراجع الفكري والحضاري ولقرون عدة حتى مطلع القرن العشرين. عرفت مصر نهضة حضارية محدودة خلال عصر الظلام هذا بعد حملة نابليون (1798-1801) ورغم ان الحملة كانت قرابة الاربع سنوات الا انها كانت سببا اساسيا ومهما في بناء الدولة المصرية الحديثة فيما بعد. ما تزال المجتمعات العربية والاسلامية تهتم وتفخر بنهضتها تلك دون ان تتسائل عن سبب اختفائها وعدم تكرارها.

تنتشر في الغرب الان الكثير من المؤسسات ذات الواجهات الاكاديمية للعلوم العربية والاسلامية القديمة وبتمويل من دول عربية واسلامية. قد يكون هدفها دراسة تلك الانجازات العلمية ذات القيمة التاريخية ولكن لا يوجد مركز واحد متخصص لدراسة سبب انهيار ذلك النشاط العلمي.

ان السبب الكامن وراء الانهيار العلمي هوذاته السبب الكامن وراء التخلف الاجتماعي والتراجع الحضاري. دراسة الظاهرة ومعرفة اسبابها تقود الى الحل. خلال فترة النوم الحضاري والتي استغرقت قرونا عدة كان الفكر الانساني وقادا وفي صراع دائم نحوالتحديث والبناء الحضاري بكافة جوانبه المادية والانسانية. لقد قاد النوم الحضاري الى توقف الابداع الفكري وتوقف التطور الاجتماعي بمختلف جوانبه وليس هذا فقط بل الى ترسخ مفاهيم وعادات وتقاليد وانماط فكرية وسلوكية في هذه المجتمعات حتى اصبحت كلمة المحافظه (conservation) من الكلمات المقدسة اجتماعيا والخارج عليها مرتدا. .

وخلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن تكون فكر اجتماعي مغلق وعدات اجتماعية ابعد ما تكون عن المعاصرة. لذا كان كل شيء محفوظا قبل الحرب العالمية الاولى. وعندما دخل جيش الاحتلال البريطاني بغداد مطلع القرن العشرين وجد عجبا في مدينة عرفها من خلال كتب التاريخ كمدينة الف ليلة وليلة. لم تكن بغداد يوم إحتلالها سوى خرائب والمجتمع في حالة يرثى لها من التخلف والجهل وهذا بلا شك بفضل المحافظة والانغلاق.

وظهرت محاولات فكرية نخبوية طامحة لاحداث بعض التململ الحضاري البسيط نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تناولها بعض المؤرخين على انها النهضة الحديثة مثل خطابات جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة وهبة الدين الشهرستاني…!

ما يميز تلك المحاولات انها كانت محاولات محدودة من رجال دين والذين كانوا ولا زالوا يمثلون الطبقة المتنفذة بالفكر الاجتماعي السائد. لذا جاءت الطروحات باسلوب وعظي ولم يسلم هؤلاء من الغضب والرفض من قبل المؤسسات الدينية والتحريض عليهم. بعد سقوط الدولة العثمانية وظهور الدول الحديثة من مستعمراتها ظهرت محاولات سياسية متفرقة هنا وهناك حاولت التحديث .

وواجهت هذه المحاولات اعاقات محلية رافضة للتحديث وصعوبات كبيرة ولكنها كانت محاولات ضرورية. واهم ما يميز تلك المحاولات انها كانت : وكما يبدو ان تلك المحاولات لا تعدوا عن كونها محاولات حماسية استعجلت البناء الفوقي منبهرة بالغرب وانجازاته لذا بنت وهدمت واضاعت فرص اكثر مما بنت ولم تكن تلك المحاولات اكثر من تململ حضاري في محاولة للنهوض غير المدروس فقامت باستجلاب منظومات اجتماعية وسياسية وعسكرية …متطورة من مجتمعات متطورة وهكذا كان البناء سطحيا ولم يصمد .

واخذت نماذج التحديث بالتهاوي وليس هذا فقط بل استمرت عملية البناء والهدم وما تزال العملية مستمرة وما تزال هذه المجتمعات حيرى في البحث عن طريق لها بعد ان خرجت من سجن الزمن. وهكذا فان عملية البناء والهدم المستمرة ستبقى لحين الوصول الى مرحلة الانهاك. هذه المجتمعات تدفع ضريبة الانغلاق الفكري الذي خلفه الاجداد منذ عشرة قرون تقريبا وما تزال حتى اليوم لا تستطيع تشخيص علتها. وتخاف الاقرار بالانغلاق الفكري الذي قادها وما زال الى هذه النتيجة الماساوية. لقد مر القرن العشرين وتلك المجتمعات تتخبط في بنائها وهدمها دون ان تكون هناك خطوة اندفاع نحوتحديث اجتماعي فعلي.

وكما كان للساسة طموحاتهم ومحاولاتهم الساذجة كان هناك للمفكرين العرب والمسلمين مساهماتهم المتخصصه المدروسة. لم يقف هؤلاء مكتوفي الايدي في طرح برامجهم التحديثية اصلاحية كانت ام نهضوية. ولا اريد ان اعرج الان على ذكر تلك المحاولات ومفكريها الكبار ولكن لم تكن تلك الابداعات الفكرية إلا خطابات فكرية اوفلسفية وكانت اقرب ما تكون الى طروحات نظرية بينها وبين الواقع بون شاسع. وهي بذلك لم تتمكن من ان تقدم شيئا على ارض الواقع. على اية حال هل من الممكن التسائل عن ماذا تريد هذه المجتمعات نهضة ام اصلاح؟

النهضة بحاجة الى روافد فكرية معاصرة لزمانها لتستند عليها فهل لهذه المجتمعات روافد فكرية معاصرة يمكن الاستناد عليها في نهضتها؟ بالتاكيد لاتملك هذه المجتمعات أي مقومات فكرية معاصرة وهذا واضح من التشتت الفكري الذي تعيشه. هنا نجد انفسنا امام خيار الاصلاح. ولكن أي اصلاح هذا؟

هناك من ينادي بالاصلاح الديني. الدين الاسلامي له مؤسساته المستقلة والتي انفصلت عن السلطة تقريبا منذ العصر الاموي. ولكن كمؤسسات بقت نافذة ومسيطرة على الفكر الاجتماعي حتى يومنا هذا. الدين الاسلامي كأي دين لا يمكن ادخال اصلاحات عليه إلا من خلال المؤسسة الدينة. والمؤسسة الدينية الاسلامية ليست موحدة ولا يمكن توجيها لتغير قناعاتها الفكرية لاجل الاصلاح. نحن امام مشكلة فكر اجتماعي ترسخ وتغلغل خلال قرون. لقد اثبت الفكر الاجتماعي هذا فشله في المواجهة مع الحداثة.

المجتمع العالمي المعاصر يفترض مواصفات معينة للمجتمع المعاصر والفرد المعاصر لمواجهة التحديات وهذا ما تسعى له الدول المعاصرة في تكوين اجيالها…..من الممكن بناء مدينة معاصرة خلال عدة سنوات وخصوصا وان الثروة النفطية قد تُسهل هذه المهمة. وقد يستورد ابنائها احدث ما تبدعه التكنولوجيا العالمية وقد وقد وقد. بناء كهذا قد لا يحتاج سوى عدة عقود من الزمن. ولكن هل تستطيع كل هذه الاجراءات الشكلية بناء مجتمع معاصر مبدع ومدرك لمسؤولياته الاجتماعية ضمن منظومات مختلفة ومتفاعلة يكون فيها الفرد حرا مبدعا وفي الوقت ذاته مقيدا بقانون؟ هل تستطيع هذه المدة خلق مجتمع يتجاوز العُقد الاجتماعية التي تراكمت وترسخت خلال قرون من دون حل؟

هل تستطيع هذه العقود البسيطة ان تُعيد للفكر الانساني المقيد مرونته الابداعية التي تم حجرها لقرون عدة؟ قد تساعد عملية بناء المدارس في محوالامية الابجديه ولكن كيف يتم التخلص من الامية الثقافية وكم تحتاج هذه العملية من زمن؟ الثقافة الاجتماعية بنت مكانها وزمانها.

لقد اظهر القرن الماضي انماط من السلوكيات حتى لدى الليبرالين والماركسين من تلك المجتمعات تتعامل باطر اشبه ما تكون بنمط الفكر الديني الذي تربى عليه المجتمع لقرون عدة. وهذا ما انعكس على القادة الاصلاحيين فلم يدر بخلد اتاترك اوشاه ايران اوقادة العرب خلال القرن العشرين ان ما يقومون به ليس اكثر من مكياج وطلاء للمعاصرة ليخفي تحته تخلف اجتماعي عمقه عشرة قرون. لذا هُدم ما هُدم وما هو في طريقه للهدم ينتظر دوره ان لم يكن الان فغدا.

يحاول الفكر الاسلامي السياسي المعاصر ان يدلي بدلوه كما فعلت التيارات السياسية الاخرى سابقا في ادعائها اومحاولتها الاصلاح اوالنهضة. ولكن مما يجدر ذكره هوان الفكر الاسلامي المعاصر ما هوإلا امتداد طبيعي للفكر الذي رفض النهضة الاولى وأجهز عليها منذ قرون عشر وقاد الفكر الاجتماعي خلال فترة التراجع الحضاري.

أن فكرا كهذا ابعد من ان يدرك طبيعة العصر الحاضر ومتطلباته لكي يخط برامج اصلاحية. هذه الانماط الفكرية تمهد الطريق للسماء تاركة عبيد الله ليكونوا عبيدا لم يملك القوة على الارض. انهم لا يدركوا بان للمعيشة على الارض قوانينها التي لا يفهمها الا من ملك حرية الفكر وطريقها العلمي.

وما النكسات الاجتماعية والهزائم العسكرية الا نتاج طبيعي لهذا النمط الفكري. نحن امام مشكلة فريده. انها باختصار مشكلة مجتمعات كانت حبيسة فكر مغلق لعشرة قرون ووجدت نفسها امام زمن غير زمنها. وهذه الحالة مختلفة تماما عن حالة المجتمعات البدائية. المجتمعات البدائية ليست حبيسة فكر مغلق لذا يمكن تحديثها وادماجها ضمن المجتمع العالمي المعاصر بسهولة.

قد يرى البعض أن مشكلة المجتمعات العربية والاسلامية بالنسبة للغرب تنحصر في كونها بؤر مصدرة للارهاب ولكن المشكلة اكبر من ذلك أنها تخص القدرة الانتاجية واستغلال الامكانيات والموارد الطبيعية والبشرية وتطوير المستوى المعاشي وطريقة التعامل مع التكنولوجيا والعصر الحديث. هذه المجتمعات تواجه تحدي البحث عن الهوية بعد ان دخلت غابة الزمن المعاصر المعقد.

لقد شخص الكثير من المفكرين العرب مشكلة الانغلاق الفكري قبل بروز ظاهرة كما ان هناك فرق حضاري كبير بين المجتمعات العربيه –الاسلامية والغرب فان هناك فرق حضاري كبير بين المدينة والريف في تلك المجتمعات. وكما ان هناك هجرة باتجاه الغرب فان هناك هجرة باتجاه المدينة. المدينة بحكم احتكاكها بالخارج (الغرب) فانها اكثر مرونة في تقبل التحديث من القرية التي تتميز بالانغلاق. ولكن تُشكل القرى والاماكن الضعيفة اقتصاديا النسبة الكبرى في تلك المجتمعات. لقد بقت القرية العربية –الاسلامية بعيدة عن التحديث وانشغل الساسة ببناء المدن والاماكن الفخمة. كما انشغلوا بانشاء الجامعات تاركين التعليم الابتدائي مقتصرا على معلومات علمية بسيطة وبعيدة عن تكوين جيل ذي تفكير منفتح. تبين احصائيات الامم المتحدة النموالسكاني الكبير لدول الجنوب والتي يغلب فيها النموالسكاني لسكان الارياف (تشكل الدول الاسلامية والتي يقرب عددها من 47 دولة تجمعا كبيرا ضمن دول الجنوب).

وبذلك تزداد الهجرة من الريف الى المدينة وهذا ما قاد الى ترييف المدينة ولم يحدث العكس أي تمدين القرية. لقد تطور الريف في الغرب بصورة تدريجية حتى اختفى الفرق الحضاري في المجتمع الواحد. ان خطاب التحديث قد يكون مقبولا الى حد ما في المدينة ولكنه ليس كذلك في الريف. وبازدياد الهجرة نحوالمدينة قل تقبل التحديث في المدينة.

أمامنا صورة ماساوية قاتمة وتحد خطير يواجه هذه المجتمعات وما تسببه من دمار لنفسها وللمجتمع الدولي. ان المشكلة اكبر من ان تُحل بطروحات فيلسوف اووصايا مفكر. المشكلة بحاجة الى دراسة كبيرة وتضافر جهود مؤسسات عالمية ومحلية. أنها مشكلة فكرية اجتماعية اقتصادية. بمعنى اخر انها مشكلة معقدة. قد يمكن القول باعادة تأهيل الافراد ولكن هل من الممكن إعادة تاهيل المجتمعات. ان هذا لا يعني تقليد الغرب. الغرب ليس نموذجا يُحتذى ولكن المجتمعات الغربية خطت طريق تحديثها منذ قرون وبالتدرج الزمني المطلوب لتاخذ مميزاتها الشخصية الحالية واثبتت انها خلقت قوتها على الارض من خلال حرية الفكر الذي قاد ويقود الى الابداع والى مجتمعات متماسكة ومتزنة. وما حدث في الغرب ليس من الضروري ان يحدث في هذه المجتمعات الان. ولكن التجربة الغربية لابد من ان تُدرس وتستخلص منها التجارب المفيدة التي قادت الى عصر النهضة.

#جريدة فكرة الالكترونية بوصلة الاعلام المعاصر

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر