فى ذكرى مرور 5 عقود على أحداث كمشيش.. «اليسار» ماض يتحدث ومستقبل غامض

68 views مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 14 مايو 2017 - 11:19 مساءً
فى ذكرى مرور 5 عقود على أحداث كمشيش.. «اليسار» ماض يتحدث ومستقبل غامض

نقلا عن الاهرام العربى 



مع إرهاصات الثورة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر، بدأ اليسار كفكر ومعنى ومصطلح. أما المصطلح فقد ولد نسبة إلى الجهة التى كان يجلس فيها نواب الشعب على يسار الملك لويس السادس عشر فى الاجتماع، الذي دافع فيه أولئك النواب عن العامة المطحونين بين طبقيتن الأولى هى طبقة النبلاء والثانية طبقة رجال الدين.


وكان فشل هذا الاجتماع وما تلاه من محاولات لتحقيق العدل والمساواة، سببا لاندلاع الثورة الفرنسية وسقوط سجن الباستيل فى 14 يوليو 1789  لتنطلق من فرنسا أفكار العدل والإخاء والمساواة كمحور أساسي لفكر اليسار الذي اعتبر آنذاك المعارض للإقطاع، وتركيز الثروات فى يد فئة قليلة فى المجتمع والدفاع عن حقوق العمال ثم الدفاع عن حقوق المرأة والمهمشين.


وفى نهاية القرن التاسع عشر جاءت أفكار كارل ماركس كوقود للحركات الاشتراكية فى العالم كله.. وفى القرن العشرين استحوذت عدة حكومات تبنت الفكر الماركسي على الحكم فى العديد من البلدان. ففى روسيا اندلعت الثورة البلشفية لينهي الثائرون المحبطون حكم القياصرة 1918 وفى الصين الشعبية 1949.


هذا الفكر الماركسي انبثقت منه مشتقات نظرية كاللينية والستالينة والتروتسكية والماوية.وفى العالم العربي، بدأ تشكيل الأحزاب اليسارية مبكرا فى عشرينيات القرن الماضي من رحم معاناة العمال الذين بهرهم ذلك الفكر المتخم بالحديث عن العدالة الاجتماعية وحقوق العمال المهدرة، التى كانت تدور فى أحاديث العمال الإيطاليين واليونانيين وغيرهم من أبناء الجاليات الأجنبية التى جاءت إلى الدول العربية المقسمة بين ألوان الاستعمار. وفى مصر كان رفاعة الطهطاوى أول من بشر به مع ترجمة الدستور الفرنسي وأفكار جان جاك روسو، لتنطلق بعد ذلك التنظيمات اليسارية.


الآن وبعد نحو قرنين على مخاض فكر اليسار، يبدو وكأنه أضحى على شفا حفرة من الاندثار فى ظل تصاعد حكم اليمين فى العالم.. وفى ظل الانتقادات التى وجهت إليه والعثرات التى واجهها، فالبعض يراه فكرا فوقيا ظل فى برجه العاجى، وأن الأحزاب اليسارية فشلت فى اجتذاب الجماهير المعنية أساسا بهذا الفكر، والبعض يرى أن الشيوعية كرافد لليسار ضد الدين، والبعض يعتبر أن الدول التى حكمت أنظمتها تحت لواء اليسار لم تكن إلا نظما شمولية كنظام ماوتسي تونج فى الصين.


على الرغم من ذلك هناك من يعتقد أن اليسار وأفكاره لا تموت وربما احتاج الأمر وقفة لمراجعة مشواره  عبر السطور التالية.

 لماذا هذا التوقيت؟

يبقى السؤال الأهم: لماذا فكرنا فى إصدار ذلك العدد فى هذا التوقيت بالذات، والجواب سيكون بسؤال: وهل هناك أجمل من مرور نصف قرن على ذكرى أجمل قصة حب اختلطت بالنضال والإيمان بالمبدأ والفكر اليساري.. ذكرى خلود صنعها مقتل شهيد الفلاحين!!


قصة شاهندة وصلاح ولاد العم المناضلين ضد الإقطاع.. شاهندة مقلد ابنة البكباشي عبد الحميد مقلد، مأمور مركز سمنود الذي وقف بجوار الفلاحين فى مواجهة عائلة الفقى الإقطاعية، صلاح حسين ابن امرأة مصرية أصيلة تبرعت بنقود شوارها لصالح تمويل رحلة سعد باشا زغلول والوفد المرافق له لحضور مؤتمر فرساى. على خطى الأب سارت الابنة وعلى خطى الأم سار الابن الذي ذهب لمحاربة الصهاينة فى فلسطين وواجه الاحتلال الإنجليزى فى القنال، وفى 1956 شكل كتيبة من فلاحى كمشيش لمواجهة العدوان الثلاثي.. قائد ثورة الفلاحين ضد الإقطاع وهو الذي قال “فوق كل مائدة طعام.. يوجد شىء من جهد فلاح ضائع”. بعد سلسلة من المعارك فى مواجهة الإقطاع، يسقط صلاح شهيدا. مساء 30 إبريل 1966 ويشعل استشهاده معركة تصفية الإقطاع، أما شاهندة فقد جعلت من كمشيش رمزا للنضال الفلاحي، ومن يوم اغتيال صلاح عيدا سنويا يؤكد تواصل النضال  الذي جعل لجنة تصفية الإقطاع تقرر استعادة الأرض المهربة، وفرضت الحراسة علي أملاك عائلة الفقي وتم القبض علي كبارها. الأرض وزعت علي الفلاحين وقصر الفقي صودر وأصبح قصرا للثقافة ومركز  إعلاميا. وسلمت شاهندة مفاتيح بيتها إلي لجنة من الفلاحين ليستخدمه الفلاحون متي شاءوا وسموه بيت الشعب.


وصارت كمشيش رمزا للنضال فى العالم كله، حتى إن الفيسلوف جون بول سارتر أثناء زيارته مصر 1966، طلب زيارة كمشيش وقال:«أغادركم وقد تأثرت بفلاحي كمشيش وعمال مصنع كيما».


وفي خطاب عبد الناصر في عيد أول مايو 1967 قال «صلاح حسين استشهد بعد 14 سنة من الثورة، وده معناه أن لسه فيه رجعية» ومع نكسة 1967 تشكل شاهندة كتيبة من 50 من فلاحي كمشيش وتسافر معهم إلي بورسعيد.


وبعد رحيل عبد الناصر يأتي السادات. ويقرر الانتقام من كمشيش وحوصرت القرية، وهدم النصب التذكاري لصلاح حسين، وصدر قرار من وزير الداخلية بإبعاد 20 شخصا منهم ثلاث نساء وعلي رأس الجميع شاهندة إلي خارج القرية، ويبقي المبعدون مشتتين لخمس سنوات حتي صدر حكم من محكمة القضاء الإداري بعدم دستورية قرار النفي. وفي 1975 وعقب المظاهرات الشهيرة اعتقلت شاهندة وتتوالي مرات الاعتقال ثلاث مرات، وفي المرة الرابعة هربت شاهندة. وكرد علي هروبها يعتقل ابنها الأكبر ناجي لكنها تواصل نضالها وهي هاربة.


ومع تأسيس التجمع تأتي شاهندة ومعها كمشيش. وتصبح شاهندة أول أمينة للحزب في المنوفية. وتواصل شاهندة معارك الفلاحين في صفوف اتحاد الفلاحين  ومعاركها في صفوف حزب التجمع.


هذه هى قصة من أروع قصص نضال اليسار المصري الذي سقط فيه جسد صلاح حسين شهيد الفلاحين وارتقت ذكراه ورفيقة دربه إلى أبد الآبدين.

شـــارك بـــرأيــــك
رابط مختصر