همس المشاعر

محمود (قصه حقيقيه)

أحمد حسنى
جريدة فكره الالكترونيه
==============
الموقف ده حصل معايا بالظبط سنة 2002.
شاب عشرينى مندفع شديد السخريه من كل شيء.. ساكن فى مدينة نصر.. بشتغل فى العاشر من رمضان .. شغل الصبح و قهوه بليل.
سهرة كل يوم عند كشك اكل شعبى مشهور جدا فى الحى السابع … عشوه متينه و طاوله او استيميشن لحد الساعه 1 او 2 و بعدين اروح انام لحد الصبح.
حياه شاقه شاقه يعنى مفيش كلام.
فى يوم من ايام الشقاء المرعب المتميزه بالجهاد القاسى ضد سندوتشات الكبده و السجق .. قابلت طفل صغير فى حدود 9 او 10 سنين .. الطفل قرب ناحيتى مباشرة … عينيه كانت مش بريئه على الاطلاق و هدومه بتقول بشده انه من اطفال الشوارع … ريحته سجاير واضحه ووشه أصفر مرهق بتعابير و انفعالات لا تنتمى لسنه اطلاقاً … واضح جدا من غير اى ذكاء انه مشرد.
– هات نص جنيه اجيب بيه طعميه ؟؟
واحد من الشباب اللى معانا رد عليه فورا بقسوه و بنظره ناريه… امشى ياض من هنا بدل ما اقوملك.
الولد بصله بنظره كلها تحدى … فعلا هو معندوش حاجه يخسرها .. بينما الشاب الوسيم لو اتكب عصير فراوله على قميصه ممكن يتنكد طول الاسبوع.
نظرة عين الولد كانت فعلا غريبه … تحدى ممزوج بالقرف و الاحباط و اللامبالاه.. رغبه دفينه انه يدب سكينه فى قلب الشاب اللى زعقله … انا تعاطفت معاه … ليه … مش عارف.
سألت الولد … انت فعلا عاوز تاكل … قاللى اه يا عم.. انا جعان .. عاوز طعميه.
قلتله لا … انا هجيبلك اكل من هنا … تعالى … طلبتله سندوتشات كبده و سجق و بسطرما … الولد اكلهم كلهم .. فعلا كان جعان … عرضت عليه تانى .. قاللى لا يا باشا توشكر … الاقيش معاك سيجاره بقى.
طبعا رفضت … قلتله لو عاوز تاكل فى اى يوم ..تعالى .. هتلاقينى موجود هنا.
مناقشه طويله بعد كده مع الشباب … الشباب الفارغ من جواه … و انا اولهم و اكثرهم فراغاً.
– انت كده بتديله فرصه يبلطج و ياكل براحته من غير ما يشتغل.
– طالما حد بيساعده يبقى ايه الدافع انه يشتغل.
– هى الحكومه فين من العيال دى.
– بكره يكبروا و يبقوا مجرمين.
-ده على اساس ان الولد المسكين ده اتولد فى سراية عبد العزيز باشا فهمى و هرب من قسوة مامته علشان عاوزاه ياكل الكريم بروليه و هو مش بيحبه.
اراء كتير رايحه و جايه … محاولات لاستعراض المعلومات و شغل الفراغ ليس الا .. غالبية الشباب فى السن ده للأسف مجرد ظاهره صوتيه لا اكثر.
اراء فلسفيه عميقه من شباب اقصى حاجه عملها انه علق جارته و مش ناى يخطبها لأنها خرجت من البيت امبارح من غير اذنه.
بعد ما الدنيا ادتنى اكتر من درس … بقيت استحقر جنرالات القهاوى اوى… بسميهم دايما الجنرال دكرورى … الواحد من دول ممكن يحطلك خطه لغزو القمر و يشرحلك مكونات الار بى جى وهو بيخاف من صوت صواريخ العيد و عمره ما عدى حتى جمب سور معسكر جيش.
بيفهموا فكل حاجه و يفتوا فى كل شيء .. وقت السياسه يبقوا سعد زغلول و وقت الحرب يبقوا احسن من الفريق الشاذلى و لو الكلام على الستات … بحس انى شايف رشدى اباظه فى وشوشهم كلهم.
على رأى عمنا احمد فؤاد نجم
محفلط مزفلط كتير الكلام *** عديم الممارسه عدو الزحام.
بالظبط كنا كده .. و اتمنى نكون اتغيرنا.
الولد بقى بييجى عند كشك الاكل كل يوم … و كنت بجيبله اكل … و ياكل و يمشى ..
السؤال هنا … انا بعمل كده ليه ؟؟ …
الله اعلم؟؟
حتى يومنا هذا .. و الله ما اعرف الاجابه.
اخر حاجه اقولها انى كنت بعمل كده لوجه الله … مكانش فدماغى الحقيقه … ساعتها انا كنت بصلى الفروض بالعافيه و فى اغلب الاوقات مكنتش بصلى من اساسه .. بقضى رمضان نايم ولا اعرف اى حاجه عن التراوبح … علاقتى بالدين عموما كانت ضعيفه اوى.
و لكن فى بداية حياتى ربنا حط فى طريقى مهندس عبقرى و شخصيه عظيمه … ساعدنى جدا و علمنى انى لازم اساعد اللى اقدر اساعده … زى الماكينه .. ترس بيساعد ترس … الترس لوحده ملوش لزمه.
كمان ساعتها مش عارف ليه حسيت بالقرف و الكبر و الغرور … قرف من نفسى اولا و من صحابى ثانيا.
بنصرف نص فلوسنا على الاكل و النص التانى على الجيم علشان نخلص من اللى كلناه و مستكترين بجنيه طعميه لعيل صغير علشان ياكل و ينام فى الشارع.
قريت مره مقوله لكاتب مش فاكر اسمه …. نلقى بهم الى الشارع … و عندما يصيروا مجرمين .. نطالب بحبسهم … يالوقاحتنا.
فعلا … وقاحه ما بعدها وقاحه … لما امشى بالعربيه و ييجى حد يمسح الازاز علشان نص جنيه او جنيه و اشاورله من بعيد .. امشى يا ولد .. بينما بصرف 100 جنيه علشان اكله و 100 زيهم علشان احرق الدهون اللى اتكونت بسببها.
وقاحه اكتر من الوقاحه لما افاصل مع الست بتاعة الخضار الفقيره العجوزه علشان اخد 3 حزم جرجير بجنيه بدل اتنين.
هو اساسا طشت الجرجير اللى قصادها كله مكسبها فيه كام ؟؟؟
وقح وقاحه غير عاديه لما اتخانقت مع ابويا علشان رفض يغيرلى العجله بتاعتى بينما طفل زى دى بيشحت تمن اكله من ناس بتبصله انه جرثومه.
تأنيب غير عادى للنفس … رغم انى مش مسئول عن حالته “ده اللى كان فدماغى وقتها” … ده السبب اللى كنت بحاول اقنع بيه نفسى المريضه… بينما الحقيقه ان يوم القيامه هقف قصاد الخالق عزوجل و هيسألنى … ساعتها ابقى اقول الاسباب دى … و اهو يبقى دخولى جهنم عن اقتناع.
الايام مشيت عادى و انا مش فدماغى … عايش الحياه للاستمتاع الشخصى و ليحترق كل الكون طالما سندوتشات الكبده و السجق ما زالت بنفس الروعه.. و طالما عندى 3 او 4 بنات جاهزين للخروج و الشقاوه.
فيوم من الايام رحت على القهوه .. محدش من الشباب جه لسه … لقيت الولد .. نفترض ان اسمه محمود … واقف بعيد … نفس النظره الغير بريئه و نفس الابتسامه اللى بتقول ملعون ابو الدنيا … اكلونى يا ولاد الكلب علشان امشى.
فتحت معاه كلام … عاوز اعرف عنه اى حاجه … معرفتش اخد منه حق ولا باطل … فى الاخر هو عيل صايع … متعرفش توصل لدواخله ابدا … يشترى و ميبعش …. عاوز اساعده .. بس مش عارف اعمله ايه.
مش عاوز اساعده علشان انا انسان بحب الخير و قلبى قلب خسايه .. اطلاقا … لحد النهارده انا مش عارف كنت بساعده ليه … مفيش اى تفسير الا انها ارادة الله عزوجل.
زى عادته … أكل و مشى .. شيء غريب فى نظرة عينيه اتغير … الكراهيه اعتقد زادت … وللا يمكن انا بيتهيألى … مش عارف … بس حسيت ان الولد بدأ يكرهنى فعلا .. المفروض انه يشكرنى … فى حاجات غريبه فى النفس البشريه صعب عليا انى افهمها.
يوم الجمعه .. كنت كالعاده فى ورشة الميكانيكى بتاعى … اقدم و احسن ميكانيكى فى الوايلى و حدائق القبه .. منطقتى الاصليه … بنصلح عنده بالشكك … و مش بعيد ناخد فلوس كمان و احنا ماشيين .. راجل طيب …راضى و قانع … عمره ما طلب فلوس … زى ما تدفع هياخد و يحمد ربنا.
بينى و بين الكاربراتير تار .. لن يمحوه الا انى اغيره كله … او اغير العربيه.
معرفش ايه جاب موضوع محمود فى بالى …عرضت على الميكانيكى عيل صغير يشتغل عنده .. ينضف الورشه .. يجيب طلبات البيت … اى حاجه …. عيل صغير ملوش اهل … هينام فى الورشه و يشتغل زى الحمار … و هترميله اخر الاسبوع 30 او 40 جنيه هيبوس ايدك عليهم.
الراجل الطيب وافق .. عرضت عليه انى ادفع يومية الولد … الراجل رفض .. قاللى انا هشغله مش هتبناه .. ليه الراجل الطيب ده وافق يشغل الولد عنده و هو فعلا عنده صبيان كتير ؟؟
برضه الله اعلم.
خدت الواد من ايده وديته الورشه … الواد انتظم … بعد شهر الميكانيكى كلمنى بيشتكى من الواد … قاللى على شوية حركات … الواد بيسرق من الورشه .. بيتراخم على الزباين و ساعات بيطفش باليومين و التلاته و بعدين يرجع و حاجات كده.
ما بدهاش بقى … ده وقت العنف … علمونا كده فى الميرى … الرجاله متترباش الا بالآيش “الحزام” بتاع الجيش …. الناس هتقولك الضرب للحيوانات … مقدرش احكم … انضربنا و احنا صغيرين اكتر من الحيوانات كمان و الحمد لله كبرنا و فلحنا و عمرنا ما ذكرنا اهالينا الا بالخير.
لا املك من ذكريات لصول المدرسه الحربيه الا انه عمل منى راجل و لا املك الا انى اقول الله يرحمه رحمه واسعه لما تيجى سيرته .. رغم انه كان صعب اوى و ياما خنقنى.
خدت فى ايدى حزام جلد تخين و عديت على ورشه الميكانيكا بعد ما قفلت … مسكت الواد نفضته علقه محترمه … افتريت عليه جامد اوى .. كأنى بضرب عدو … الواد كان بيجيب دم من كل حته فجسمه تقريبا… لك ان تتخيل 120 كيلو بيضربوا عيل مش ممكن ابدا يكون اكتر من 35 او 40 كيلو.
بطلت ضرب فى الواد لما عرقت و بدأت انهج … الواد متكوم على الارض بيعيط و بيتألم .. الحمد لله مفيش كسور .. انما فى جروح و كدمات بالهبل.
بعد ما ضربته سحبته من قفاه على الحوض.
– اغسل وشك … ياللا .. بسرعه … قسما بالله لو اتكلمت كلمه لأكون دابحك … مش هتاخد فأيدى 5 دقايق و هرميك زى الكلب فى اقرب مقلب زباله.
كنت عصبى اوى … اعتقد ان ده كان بسبب الشكوى.. كنت خايف جدا على مظهرى و مكانتى فى المنطقه .. هيقول عليا ايه الراجل لما جبتله حرامى يشغله؟؟
بعد ما هديت بعت الولد يجيب كشرى .. قلت لو هرب .. يبقى مفيش امل .. لو رجع .. يبقى فى كلام تانى.
الولد رجع و معاه الباقى كمان.. قعدت اكل معاه و اكلمه باللغه اللى هو يفهمها … اصبر و استحمل كام سنه كده و للا حاجه .. تشرب الصنعه و بعدها تفتحلك ورشه لوحدك و محدش يقفش فدماغك و تبقى ملك زمانك.
الصراحه الولد بعدها استقام و انتظم و مبقيتش اسمع عنه اى مشاكل…
هل بتأثير الكلام ..؟؟
هل الضرب جاب معاه نتيجه ؟؟
الله اعلم.
بعد كده سافرت و الدنيا خدتنى … و نزلت مصر سنة 2011 فى اجازه.. كنت فاكر انى هستقر … عربيتى حبيبتى و شقة ابويا القديمه فى حدايق القبه … شقة الذكريات و ايام الكليه .. وظيفه حلوه .. الحمد لله .. بس
العربيه محتاجه شوية شغل … المره دى الكاربراتير برىء … العفشه و الكهربا محتاجين تظبيط … طبيعى اروح للورشه اللى قضيت معاها ايام طويله ..سلامات و تحيات للميكانيكى اللى بقى عجوز اوى و مبقاش بيتشغل بنفسه … الورشه مليانه ناس انا معرفهمش … الصبيان كبرت و مشيت و جه غيرهم .. دورة الزمان الطبيعيه.
الميكانيكى بعت جاب الكهربائى … و قالى انا اضمنه برقبتى ده واد فنان… الكهربائى جه .. كشف على العربيه و قال اللى فيها … بعد شويه لقيته جاب العده و بدأ شغل … ساعة زمن و كان مخلص.
حسابك كام يا اسطى ؟؟
لقيت الكهربائى وطى و اخد ايدى و باسها !!!
انا اتفاجئت الصراحه … معرفوش ..انا متأكد من المعلومه دى … انا ذاكرتى زلط … لا يمكن انسى اى حد قابلته ابدا.
– خير يا اسطى .. فى ايه ؟؟
– مش عارفنى يا بشمهندس ؟؟؟
– معلش و الله … مش واخد بالى
– انا محمود يا بشمهندس … محمود بتاع الحى السابع… حضرتك كنت جبتنى هنا من 10 سنين.
– ما زلت متشكك … بس محمود كان لونه افتح من كده و كان جسمه قليل
ركزت فوش الواد و عنيه .. العنين مش ممكن تتغير ابدا … هى نفس العينين … بس النظره اللى فيها اختفت … الواد طلعله شنب و وشه اتنحت … بقى راجل.
محمود ضحك و حكالى على كام حاجه يأكدوا كلامه … يخرب عقلك ياض .. تعالى احكيلى … ايه اللى حصل معاك؟؟
محمود اتمرمط فى الشغل .. اتعلم الميكانيكا و الكهربا … و ساب الورشة .. و بيشتغل فى ورشة كهربا كبيره اوى … صنايعى عفريت … و معلق مع البنت بتاعة المغسله اللى قصاد الورشه.
بس مشكلته ان امها عاوزاه يجيب اوضتين و يكتب قايمه هو على اده… اللى جاى على اد اللى رايح.
ضحكت من قلبى .. يخرب عقلك ياض . هتتجوز ؟؟
سنتين تلاته و هيتجوزوا …. سنتين كمان و هيأجر محل يعمله ورشه لحسابه … هيخلف و هيبقي عنده اسره… و يتسحل فى الشغل و يلف فى الساقيه زيه زى اى بنى ادم.
محمود كان مشروع مجرم … و بقى صنايعى .. مش لازم يبقى عالم ذره … اعتقد الايام دة البلد محتاجه الصنايعى اكتر من الدكتور.
فى نظرى .. محمود بوضعه الحالى … احسن من جنرالات القهاوى كلهم.
انا شخصيا … و لا كان فدماغى كل ده … انا كنت مجرد شاب عايش فى فراغ بملاه بالكبده و السجق و الجيم و بنات فرايديايز… انما المولى عزوجل كان له قرار تانى.
بعد ما كبرت و الدنيا عملت معايا الصح … اتعلمت دروس كتيره اوى … من ضمنها ان قبل ما تلوم حد .. تأكد تماما ان انت نفسك شريكه بشكل او بآخر
واحد من الفلاسفه قال زمان “عندما تشير لأحد باصبع الاتهام .. فأن بقية الاصابع تشير نحوك انت نفسك”
كمان قريت قصة قاضى امريكى … اثناء الازمه الاقتصاديه فى اوائل القرن العشرين.. كان حكم على متشرد بغرامه 100 دولار كعقاب انه سرق اكل .. ده حكم القانون .. كمان حكم على كل الحاضرين فى الجلسه بغرامه مشابهه لأنهم سمحوا لأنفسهم يعيشوا فى مجتمع يسرق فيه الفرد علشان ياكل.
و اخد الفلوس و اداها للمشرد علشان يبدأ حياه جديده.
مولانا الامام الشعراوى قال فى احد احاديثه اللى كبرنا عليها ..
“اذا لقيت فقير فى الدنيا .. اعلم ان هناك غنى يحبس الزكاه”
ده رأى الدين
و ده تصرف القاضى “الكافر” فى معتقدنا
و انا حاسس بالخجل.

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “محمود (قصه حقيقيه)”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock