همس المشاعر

“ولكنني قتلتها هي ! “

قصة بقلم  / فاطمة حسن 


استعادت ذكرياتها , وبمزيد من الأسى والحسرة على ما فات من عمرها جلست تروي لنا أحداث قصتها الغريبة والمثيرة للدهشة , والتي لم يستطع أحدُ تصديقها واتهمها البعض بالجنون وأن كل ما ترويه من أحداث لا وجود لها إلا في خيالها فقط .كطائر يحلم بالتحليق خارج السرب الذي ينتمي إليه , نشأت طفلتنا أحلام ذات الطابع الغريب بدايةً من نظراتها المريبة وحركاتها التي لم يختلف على غرابتها اثنان والتي لا يستطيع أحدُ أن يفهم ماذا تريد تلك الفتاة توصيله من وراء تلك الأفعال الغريبة.

لم تلقِ الأم بالًا لمحاولات الجميع للفت نظرها لغرابة تصرفات الطفلة ونظراتها لهم وكأنها تتحقق من وجودهم بلمسهم أو بتدقيق النظر إليهم وأحيانًا تقترب إلى وجه أحدهم وتجذبه بعنف وهي مقتنعةُ تمامًا أنه قناع وأن هذا ليس وجه الشخص الحقيقي ! , وكانت ترد على كلماتهم بضحكات ساخرة , وتعلل ذلك بأنها طفلةُ والأطفال لهم خيال واسع وتطلب منهم ألا يعطون الأمور أكبر من حجمها , وأنها سوف تقلل من الأوقات التي تشاهد فيها الطفلة أفلام الكارتون لعلها هي السبب في تصرفاتها, حيث أنهم مغتربون ولا يوجد أحد في مثل سنها كي تتحدث معه فتلجأ الأم إلى محاولة تسليتها بتركها أمام التلفاز معظم ساعات اليوم.

بلغت الطفلة السن الذي يؤهلها إلى الدخول إلى المدرسة ,فقررت الأم العودة إلى أرض الوطن حتى تلحقها بمدرسة هناك ويستقرون إلى الأبد, وظنت الأم أنها هي نهاية لمرحلة الخيالات , وأن اندماجها وسط ذويها من الأطفال سوف يثبت صحة كلامها , ولكن ما تمنته الأم لم يحدث , بل ازدادت تلك الحالة عن السابق بمراحل , فكلما عادت الطفلة من المدرسة أخذت تحكي لأمها عن أنها كل يوم تتعرف على رفيقة جميلة تحبها وتتعلق بها , وما أن تشرق شمس اليوم الثاني إلا وينتحل شخصيتها شخصُ آخر ويجعلها تتغير معها في المعاملة فتتبدل من الحسن إلى السوء , ولكن الأم لم تكترث أيضًا لكلمات الطفلة معللةُ بأنه لم يمر وقتًا على عودتهم وأنها لم تتعرف بعد على الأطفال ونظرًا لما قضته من عمرها في بلد غريب فلن تندمج بسرعة مع الأطفال وفضلت أن تترك للطفلة متسع من الوقت حتى تتعايش مع ذويها.

نفر الأطفال من تصرفاتها الغريبة ولم يعد يقترب منها أحدُ , حتى معلميها لم تصمد قدرتهم على الاحتمال طويلًا ومقابل تعنت الأم وإصرارها على عدم الاهتمام بنصائحم لعرضها على أحد المختصين, أهمل المعلمون في الطفلة وأخذوا يتعاملون على أنها غير موجودة في المدرسة وأمروا الأطفال بعدم التعامل معها تجنبًا لما يحدث يوميًا من مشكلات وشكاوى.
قررت الأم أن تنقل الفتاة إلى مدرسة أخرى , ظنًا منها أن المشكلة في تلك المدرسة وأنها ستصيب الطفلة بعقدة وتتسبب في كراهيتها للتعليم , وما حدث في المدرسة السابقة تكرر ثانيةً بنفس الطريقة .

فقررت الأم اللجوء أخيرًا إلى المختص , والذي نصحها بأن الطفلة تحتاج إلى المكوث في المستشفى حتى تحصل على العناية اللازمة , حيث أن مرضها خطير ولن تستطع الأم وحدها رعايتها , وبتشخيص خاطئ ولاستغلال قلق الأم على وحيدتها واستنزافها ماديًا , أبلغت إدارة المستشفى الأم بأن الطفلة تحتاج إلى علاج قد يمتد إلى سنوات , وأن نقلها إلى مستشفى آخرخارج البلاد لن يكن هو الحل الأمثل حيث أن الإمكانيات واحدة ولن تجنِ سوى المزيد من النفقات

كبرت الطفلة داخل أسوار المستشفى واعتادت على ذويها من الفتيات , واعتادت الفتيات أيضًا على صرخاتها اليومية كل ليلة من أثر الأدوية المميتة التي تعطيها لها المستشفى بحجة أنها فقط هي المناسبة لحالتها , ولكنها لم تكن يومًا قريبةً من الحقيقة قط.

مرت الأيام برتابتها وروتينها المعتاد , ولكن تبدل الحال مع شروق شمس ذلك اليوم , حيث أقبلت على المستشفى طبيبةُ صغيرةُ في السن , تتمتع بذكاء وتفوق في علمها منقطع النظير , وما أن تعرفت على حالة الفتاة إلا وشكت في أمر العلاج الذي تعطيها المستشفى إياه , كرست الطبيبة وقتها في عمل الأبحاث عن تلك الحالة الغريبة والمستفزة لأي طبيب حتى يعلم خباياها وما تطوي وراء غموضها من حقيقة علمية لمرض نادر, ولأن لكل مجتهد نصيب توصلت الطبيبة إلى أصل المرض وتهللت أساريرها وأخذت تلتهم خطواتها من سرعة الركد حتى وصلت إلى المستشفى لتبلغ المختصين بوصولها لحقيقة مرض الفتاة وبالتالي العلاج المناسب لها والذي باستطاعته أن يكن سببًا في شفائها , ولكنها قوبلت بالاتهامات بالجنون وأن المستشفى قد تكون أخطأت في تقديرها لنشاط تلك الطبيبة ولكنه لم يكن السبب الحقيقي بالفعل , فهم أدركوا خطورة ما توصلت إليه وأنها ستفسد عليهم خطتهم لابتزاز أم الفتاة , خرجت الطبيبة من المستشفى تجر ورائها خيبات الأمل ولكنها حذرتهم أن الفتاة قد تقتل أحدًا رغمًا عنها إذا استمرت المستشفى في إهمالها لتلك الحالة .

أسرعت الطبية إلى منزل الأم حتى تروي لها حقيقة ما حدث ولكن المستشفى قد سبقتها وأبلغتها حكايةً مغايرةً لما ترويها الطبيبة فلم تستمع لها الأم ونهرتها وطردتها من منزلها , وحذرت الفتاة من التعامل معها وزرعت الكثير من الأفكار المغلوطة بداخل الطفلة ولأن الطفلة لا تقدرعلى التمييز بين حقيقة الأشياء ولأن ما ينضج بها فقط هو جسدها لكن عقلها متوقفُ عن النمو , تعاملت مع ما قالته الأم على أنه أمر مسلم به , وتسللت في الليل إلى حجرة تلك الطبيبة حاملةً معها سكين وأخذت تطعنها بدم بارد.

انتفضت المستشفى حينما سمعت صرخات الطبيبة ولكن حينما وصلوا إلى المكان كانت قد فارقت الحياة , أصاب الزهول كل من بالحجرة وأخذوا يصرخون بها ويسألونها بقسوة لماذا فعلت هكذا وهي ترد ببراءة ” أنا لم أقتل الطبيبة .. ولكنني قتلتها هي .. التي تسللت إلينا وانتحلت شخصيتها .. قتلتها كي تعود لنا الطبيبة التي نحبها جميعًا .. فلماذا تصرخون في وجهي ؟!”.

وبينما يجمعون أوراق الطبيبة حتى يرسلونها إلى أهلها ضمن متعلقاتها الموجودة بالمستشفى , وجدوا تلك الورقة والتي كان محتواها ” توهُّم كابجراس هو التشخيص الحقيقي لحالة الفتاة أحلام , وهو مرض خطير ونادر يصيب من يعاني من الفصام العظمي أو إصابةً في الدماغ أو الجنون , وفيه يشعر المريض بأن هناك شخص انتحل شخصيةً ما قريبة منه وهذا هو تفسيره المنطقي لتغير معاملته معه , وأنه قد يلجأ لقتل ذلك الشخص حتى يعد لطبيعته وينجو من ذلك الشخص السئ الذي انتحل شخصيته, وأن الأدوية التي يمكن أن تجدِ معه فقط هي تلك الأدوية التي تعالج أمراض الذهان ولكن أفضل علاج لذلك المرض هو العلاج الفردي والاطمئنان الدائم على صحة المريض ومتابعتها ” .

تنهدت الأم بعد أن أسدلت ستار النهاية على حكاية ابنتها ,ودموعها أخذت في الانهمار نادمةً على ما قد فات من عمرها دون أن تتقدم ابنتها خطوةً للأمام , راجيةً من الأيام أن تعد للخلف حتى تستمع إلى تلك الطبيبة وتتركها تعالج ابنتها الوحيدة ,وأنها السبب في ماحدث لابنتها لا أحد سواها , فما زاد عنادها وإصرارها على عدم تصديقها إلا حدوث تلك الحادثة وتأخر حالة الفتاة أكثر وأكثر حتى انتقلت إلى رحمة الله بعد أن ذبلت في الأيام التي قضتها من عمرها فيما بعد بين جدران تلك المستشفى.

تيسير علي

Graphic Designer Alexandria, Egypt t.aly@fekra.media

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock