همس المشاعر

تماهي الزمن عبر عمر يغرب “”عندما يأتي المساء””

تماهي الزمن عبر عمر يغرب
عندما يأتي المساء

شمس هاربة تميد نحو الغروب، تمتص الضياء وتشد دثار السماء، وعين ترقب بذلك الوجد الأبدي رحيل الانصهار، غروب أبدي يحرق آخر بقعة في وشاح السماء، يتبعة حلول المساء بامتلاء اعتام السواد، وتغيير الدنيا ثوباً هلهله طول نهار، فيا ليل المساء لا تشرب كأس الدماء من ساعة عمياء بكماء، تمارس الرحيل على طريق الذهاب دون الإياب، تراقص بندول البلاهة فيما يركض لاهثاً وراء الوقت عله يستعيد ما سرق من مقاطع العمر، قد حلَّ بها الارهاق وحقَّ عليها ان تسجل ذاكرة مقيمة لطاقة الاختيار، وكأنَّ النضال مع الوقت يبقى في حالة احتضار، وقت راحل ووقت يُقبل على الدرب لا يعنيه نوع الخيار.
مع اقبال المساء تهمد همة الحركة، تنوس العيون في زحمة الوجود، ليُقبل السهاد مشرئباً بأعناقه يلكز خطاه على أقدام الاعتماد، وتحط أطيار الكرى على أفنان الليل كما لعنة ما بعد مواسم الحصاد…
مساؤكم سعيد أحبتي، مساء يأتيكم عبر نداءات الأماني، هي عبارات تسوق ذاتها بين كافة العباد، حين المساء يأتي جاراً قدماه على أرضية زلقة، باحثاً عن مكامن للنفس تلجأ إليها بعد طول احتراق، غارقين نحن بعطر الليل الحزين سرعان ما يتلاشى عبقه على هلوسات المساء، حين كل شيء يغدو مسلوب الارادة يهيمن عليه الاسترخاء بعد تعب، وقد نالت غربة الاستغراق في العمل منا كل منال، وعركتنا بين طواحين انشغال قضم منا قطعاً منْ قوة الاحتمال، فننظر للمساء على أنَّه حضن الاسترجاع البائس، تارة نُشاغله بالسمر والابتسام المزيف، فنقهقه بلا وعي وكأننا نستخرج منْ داخلنا فوضى ما تراكم منْ ضغوط الامتثال، ما يخرج بالعادة ذات وقت عنْ عقال، وأخرى نشاغلة بألف حيلة تتردد بين الصخب والصمت والتحليق عبر أمال لا نعرف كيف ذوت في زحمة مشاغل الحياة، هي الحياة كما تعودناها، ترفع أماني وتحلّ محلها أمنيات
عندما يأتي المساء تحضر تيم ألحانه في الوجد.. وكنوز السماء تشاغل أساطير الحكايا، تتلألأ الأنجم كعقد يتراخى متناثراً على صدر حسناء، تحملق العيون باحثة عنْ نجم توسط كبد السماء، أطلق عليه ذات مساء سهم كيوبيد العتيد، فأصابه في مركز الاصطفاء، فلكل نجم سهماً يخترق وسطه حيث تتشابك شرايين الوجد والأشواق على ما يختاره أفق ارتد ذات لحظة منذورة بالوداد، هنا كانت لنا ذكرى، وهناك كتبنا إسمينا وسط قلب مُحاصر حارَ فيه العقل والتعقل ووقع في أسر الاعتقال دون رحمة تأسو، ودون شفاعة تسبر أغوار الاحساس، فللمشاعر اعتقالات جمة، لها ما شاءت وأكثر، لها ما نالت منْ تبرير على القناعة ظلَّ على المدى يتكسر، هي أرواح تميل في أيِّ اتجاه لا تستطيع معها أنْ تتوقع ما قد يقع، ليغدو أفق المساء محتوىً يمتلئ بالسهام منْ كل لون وشكل.. قلما المشهد يتغير
وقلبي التائه في متاهات كلّ مساء يبحث عنْ نجم لمَّاح المُحيَّا، فأجد في الأفق نجماً ساهراً يرنو إليَّ بعينا قلب بالوجد تقلب، فإيه يا نجم الحظ المحتفظ بالألق في منتهاه، كيف أحظى بك في هذا الوقت المغافل، وكيف تحاكيني عنْ بُعد موجات النور، في عيون يباعدها سحر المساء على إذكاءات في الصدر تثور، لله أنت في جفن ناعس جفول يُعلمه إيقاع لحن الغزل، فينظم في المساء قصيد الشوق يحكمه فن العشق على أرتحالات الوسن، فالأحلام مشاهدٌ منْ أمنيات أضاعها الزمن على أرصفة شاغلتها احترازات المقل، هيهات للربيع أنْ يعود بالزهر إلى عهد شذاه الأنيق، هيهات للمساء أنْ يقلب الزمن في حضارة البعيد، فالنفس تعيش الحلم إلى أقصاه، ويظل الحلم مُعشعشاً على أغصان الوفاء، لأنَّ العقل لا يريد للصورة القديمة أنْ تتبدل، يعيش بين الفواصل والإشارات يرفض عقله أنْ يأخذه إلى موقع النقطة الأخيرة، حيث تتوقف الحكايا وتُختتم الارتحالات
عندما يأتي المساء.. وذيول الليل تسحب أطرافها على مرآة الاسترجاع، يتبدى منْ أعماق الذاكرة أصواتٌ وألحان وصور ثابتة ومتحركة، وعبق منْ عطر حنون بديع الضوع، تنتشي له الضلوع والأفئدة، علني برفع الستر لا أخترق عباب الليل حين استخرج منْ بين حُجُبه أسرار الحقيقة، ففي متاهات الليل تتثائب الأشياء وهي تعلن عن أفكارها المتمردة في لحظة اختراقها برزخ النوم، هنا ينهض الابداع منْ مرقده، متحديًا لحظة الذروة في سفر المنام، كيف أنَّ الروح ترى كل شيء عبقرياً في ظلمة انسدال الجفون، وكأنها تحمل في ذاتها نبوءة وهبت نفسها منْ السماء، تأتي في سكينة التفكر وهدأة اقبالات إشعاعاتها، فإذا الروح نشوانة سعيدة تتلقى رسالتها بمكنون طاهر بلحظة خشوع، فيا مساءاً تأتي مؤتزرًا ثوب عفافك تدور في صعودك برجاً بابلياً معشوشباً بإغداقات الزهور، وإذا الشروق ينافس الغروب إنما في ولادة للضوء ونزف جديد، وإذا النهار يأتي متجدداً يحمل تورقاً جديداً يباشر النهار دون أنْ يشي أنَّ له في نهاية اليوم احتضار جديد
كلّ يوم يأتي مساء، والمساءات تتشابه في مواقع وتختلف في أخرى، قد تسافر عبر المساء للبعيد القصي، وقد تكتفي بمجرد إطلالة سريعة تنتشل منها بعض بقايا منَّ الأحداث، مجرد ملامح تعبرها سريعا دون أيّ تمهيد، فللمساءات تلقائيتها وعفوية اختباراتها واختياراتها، قد تمر منْ حولك الخفافيش فتحسبها عصافير خالية البال، وقد تحيد عنك أشباح تحسبهم بقايا جماجم بأصوات مريبة تصطف على دروب ليست كالدروب، لا غرابة حين يغيب الذباب منْ عمق المساء، فالوحشة فيه لحظة صريعة محمومة حدّ الجنون، ولا غرابة أنْ تغيب الشمس بجرحها الدامي وتسكب دمًا قانيًا متناثراً في أفق حزين، فهي لحظة عبور لمساء يُعاني حشرجة أنين وخدشٍ عميق لمعترك عجلة دوارة تدخل بها كلّ مساء

هيام ضمرة
أديبة وشاعرة أردنية
.. عضو الهيئة الإدارية في رابطة الأدب الاسلامي العالمية
.. عضو هيئة الإدارة بالمنتدى العالمي للوسطية
.. عضو هيئة ادارة دارة المشرق.
تخصص فى الدراسات الأدبية والفكرية والاجتماعية والإبداع

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock